في منزل متواضع بريف دمشق، مرّرت ملكة بربور يدها على رأس طفلها حيدر الذي تغطي وجهه ندوب تركها انفجار مخلفات حرب أودى بشقيقه، في بلد تحصد فيه الذخائر غير المنفجرة ضحية كل ست ساعات، وتؤخر تعافيه بعد حرب استمرت 13 عاماً. وروت الأم المفجوعة كيف خرج أطفالها من المنزل قبل نحو ثمانية أشهر لجمع البلاستيك ومواد قابلة للاشتعال للتدفئة لكنهم "لم يعرفوا أن من بين ما جمعوه جسم من مخلفات الحرب". وانفجر الجسم بعد ذلك في المدفأة. وأسفر الحادث عن إصابة حيدر (10 سنوات) وشقيقه غيث (7 سنوات). أما شقيقهما أحمد (17 عاماً) ففارق الحياة إثر إصابته بشظية تسببت بنزيف حاد، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس". وقالت بربور وهي مزارعة في الأربعين من عمرها بينما حملت صورة أحمد: "حطمتنا وفاته وكسرت قلوبنا"، علماً أنه منذ إطاحة نظام الأسد، سجلت آلية تنسيق خاصة بسوريا تضم منظمات دولية وغير حكومية تقودها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، 1337 حادثة ناجمة عن ذخائر متفجرة، خلفت 2375 قتيلاً وجريحا، من بينهم أكثر من 850 طفلاً. ويرجح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك. ويعد ملف الألغام والذخائر غير المنفجرة من بين أكثر الملفات الشائكة المرتبطة بالحرب التي شهدتها البلاد لأكثر من 13 عاماً، وعمدت فيها أطراف عدة إلى زرع الألغام في مختلف المناطق. ومنذ مقتل أحمد، تعيش بربور وعائلتها حالة من الحزن. وقالت: "لم يعد للحياة طعم منذ فقدانه. أشعر بالخوف كلما خرج أحد أولادي من المنزل. كما لو أن قلبي يحترق". وسجلت سوريا، بحسب تقرير أولي نشره مرصد الألغام والذخائر العنقودية في حزيران/يونيو، أعلى عدد من الضحايا في العالم خلال العام الماضي بسبب انفجار الألغام الأرضية ومخلفات الحرب، مع إصابة ومقتل 1600 شخص. منذ مطلع العام الحالي، رصدت منظمة "هالو تراست"، أكبر المنظمات الانسانية الدولية المتخصصة في إزالة الأجسام غير المنفجرة حول العالم، إصابة ومقتل قرابة 700 شخص جراء انفجار الألغام ومخلفات الحرب، أسفر ثلثها عن وفيات. وشكل الأطفال نحو ثلث الضحايا. وقال مدير برنامج المنظمة في سوريا سايمون جاكسون أن انفجار المخلفات يؤدي إلى "نحو حالة وفاة أو إصابة واحدة كل ست ساعات" كمعدل وسطي. وشهد مطلع العام 2025 ارتفاعاً حاداً في عدد الحوادث مع اندفاع النازحين للعودة إلى مناطقهم، بعد إطاحة الحكم السابق. ووقع أكثر من 60% منها في الأراضي الزراعية أو مناطق الرعي. وفي مناطق مختلفة، تعمل فرق متخصصة بالتنسيق مع السلطات السورية للتصدي لخطر مخلفات الحرب، من بينها "هالو تراست". وأوضح جاكسون أن الذخائر غير المنفجرة تمنع الناس من "إعادة بناء منازلهم وأعمالهم. كما تمنع المزارعين من إعادة زراعة محاصيلهم"، وتشكل بالتالي "عائقاً أمام تعافي المجتمعات وتعافي سوريا". وتتطلب إزالة مخلفات الحرب جهوداً كبيرة. وأوضح جاكسون: "حتى لو ضاعفنا وتيرة العمل، سنحتاج إلى عشر سنوات على الأقل. نحن نتحدث عن عشرين أو ثلاثين عاماً لحل هذه المشكلة، وحتى تتمكن الحكومة السورية من تولي مسؤولية المخاطر المتبقية الناجمة عن المخلفات التي يعثر عليها". وفي حي جوبر على أطراف دمشق، حيث دارت معارك ضارية خلال سنوات الحرب، تعمل فرق المنظمة منذ أشهر بين أبنية مهدمة وكتل من الركام والمعادن. وأوضح حسين قزحلي، مسؤول العمليات في المنطقة الجنوبية في سوريا لدى المنظمة، أنه خلال نحو ثمانية أشهر من العمل في الحي، لم تتمكن فرق المنظمة إلا من تطهير قرابة 200 ألف متر مربع من الطرق. وأوضح أن كثرة الركام والمعادن والشظايا تعقد عمليات الكشف، إضافة إلى نقص الموارد والعاملين المدربين والمعدات المتطورة. وفي بلدة قارة بالقلمون في ريف دمشق، شقت كاسحة ألغام تابعة لفرق الهندسة العسكرية طريقها في أرض قاحلة، بينما تصاعدت سحب التراب والدخان إثر عمليات تفجير متتالية. وعلى مقربة منها، فحص عناصر يرتدون بزات واقية ألغاماً وذخائر قبل تجميعها وتلفها. وقال مصدر في وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع أن الوزارة تنفذ خطة تدريجية لتطهير الأراضي وفق الأولويات، خصوصاً المناطق المأهولة والطرق والأراضي الزراعية. لكن العمل يصطدم بتحديات أبرزها "غياب خرائط بعض حقول الألغام، واتساع المساحات الملوثة"، إلى جانب خطورة بعض الذخائر. وتعتمد عمليات الكشف إلى حد كبير على الخرائط المتوفرة وبلاغات السكان والمسح الميداني، مشيراً إلى أن أكثر ما تواجهه الفرق ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للآليات. ومنذ سقوط نظام الأسد قتل 47 عنصراً من الجيش وأصيب أكثر من 90 جراء الألغام ومخلفات الحرب. ولا تملك الوزارة حتى الآن تقديراً دقيقاً لمساحة الأراضي المزروعة بالألغام. وقال المصدر أن عمليات الكشف المستمرة تفضي بصورة يومية إلى اكتشاف مواقع جديدة. وأوضح: "لا نستطيع تحديد مدة زمنية دقيقة" لإنجاز عمليا