تبدو هوامش ديوانه الصادر عن دار مرفأ في بيروت "ها هنا حفرة"، ويتكون من 120 مقطعًا شعريًا يتراوح بين القصير والطويل، "قصائد" موازية معرفيًا، لا شروحات للإحالات التي لا يمكن للشاعر والمترجم المغربي محمد العمرواي إدراجها في نصوصه شديدة التكثيف والاختزال، بسبب طبيعتها كشعر، وربما لإدراكه بأن الصورة لن تُشبه الأصل الذي لا يجب أبدًا محوه لصالح ممثِّلهِ. يأتي هذا العمل بعد 11 ديوانًا صدرت للشاعر بالعربية والفرنسية وباللغتين معًا، وأحيانًا مع رسوم لفنانين، وأُخرى كألبوماتٍ شعريةٍ بمرافقة عازفين معروفين، إضافة إلى ترجمات قصائده التي صدرت في أنطولوجيات عديدة بلغات عالمية، ويشكّلُ مرافعةً شعريةً معرفيةً لا تقول فلسطين من خارجها، بل تمثِّلُ خطابًا فلسفيًا إعلاميًا ثقافيًا عارِفًا يستحضر الهيمنة ونقيضها. تأتي هذه المرافعة في ظل حرب الإبادة والمحو التي مازالت تتعرض لها فلسطين، في ظلِّ فضائحية تتناوب على كشفها نصوص الديوان وهوامشه، ويفرضها العنوان ذاته الذي يُشكِّل عتَبةً للدخول إلى الواقع/الحفرة، سواءً الحفرة الحقيقية التي تشكلت نتيجة القصف والحرب والقصف، أو الحفرة الرمزية التي يقود إليها تاريخ من النكبات والفظائع السياسية حوَّلت فلسطين إلى سجن كبير مطوق بأسوارٍ وأسلاكَ شائكةٍ وجغرافيا موغلةٍ في التشَّظي، أو الحفرة النفسية الوجودية التي "ينتعل فيها البلد حذاء المنفى، للسير بين أنقاضه، وأنقاض الذاكرة"، فيما "ينصهر الضحايا في معنى واحد، لا يُبالي بصراع السبب والنتيجة". وَتمازج هذه الحفر مع "مقتطفات من الكتب المقدسة، وأقوال مبتورة". فهناك "في [سفر] صموئيل 15 (رصاصة)، قال الرّبُ (رصاصة)، لشاول (رصاصة)، اذهبْ (رصاصة)، واضرِبْ عماليق (رصاصة)، ولا تشفَقْ على أحد (رصاصة)، ودمِّرْ كل ما يملكون (رصاصة)، واقتُلْ كلَّ رجلٍ (رصاصة)، وكل امرأةٍ (رصاصة)، وكل طفلٍ (رصاصة)، وكلّ رضيع (رصاصة)، وكل البقر (رصاصة)، وكل الغنمِ (رصاصة)، والبَعير(رصاصة)، والحميرِ (رصاصة)، ثمّ يطلقُ مرّةً أخرى، خمسةَ عشر رصاصةً". تشبه كتابة الواقع حول فلسطين الجُذْمور، أو نبتة اليهودي التائه، التي استخدمها الشاعر من اشتغالات جيل دولوز كنايةً عن وجود رواية ظاهرة نراها، وأخرى عميقةٍ كالجذور تمتد تحت السطح، وفي أبعاد معرفية أخرى ميثولوجية ودينية وأسطورية؛ حيث تتبادل هذه الجذمورات الأدوار في تحريك الواقع وتحريفه. يقابل هذه الثنائية تلك التبادلية التي يتبناها الشاعر مُراوحًا بين المعلومة والشعر. ففي نَصِّه، يتبادل السطح الشعري والعمق المعرفي الأدوار في بناء السرد مجازيًا ومعرفيًا بطريقة لا تخلو من تشابكٍ هائلٍ بين مراجع متعددة، تُنبئُ عن ذاتٍ عارفةٍ وموسوعيةٍ ليس فقط في الآداب (الفرنسية) والأديان والفلسفة والعلوم والنظريات، بل وفي تفاصيل ما يُكتب حول القضية الفلسطينية وأزمات الواقع الذي أصبح كآثار الجدري في الوجوه، مُشَوِّهًا وواضحًا ولا يمكن علاجه، وفي الطريقة التي يحرك بها المعرفة ويقدمها بالتوازي. تؤسس تلك التبادلية للسرد من دون أن تثقل على النصِّ الشعري، الذي يتحرك ببساطةٍ لافتةٍ وقوةٍ تكتسب زخمها من أدوات تتجاوز البلاغة والوصف إلى توظيف قدرة الشعر ذاته على الحكي وقطع الحكي، أي السرد الذي يتوقف على حصص محددة من الكلام، يعبِّرُ عنها الشاعر بمقاطع مرقمَّةٍ، كما في حصص الغذاء ضمن "خطة الخطوط الحمراء"، التي أعدَّتها دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 2007. بهدف مراقبة دخول الغذاء إلى غزة وتمرير الحد الأدنى منه من خلال حساب السعرات الحرارية لكل فرد، ما يمنح النص قوته في إحداث الهزة أو الصدمة، وإِحداثِ القطع والإزاحة اللازمين للانتقال إلى بقية المشاهد داخل هذه الحفرة التي تشبه مشيمة منفصلة عن رحم. في نقطة ما في الديوان، يستخدم الشاعر اللا-منطق لحماية المنطق، وربما للثورة عليه أو التعبير عن الانفجار الصادم، فكيف يمكن لنكتةٍ أن تحمي من المحو: "بدأ البعض الآخر هنا وهناك يلتقط نكتًا وضحكًا، يدهن بها وجهه ليحميه من المحو"! هذه السخرية، الكلام المباح على آخره، يستحضر المأساة والملهاة معًا والجنون مطلَقًا وفقدان الأمل: "وحده الحذاء ضاحك، ينتظر أن تنبت بين أسنانه زهرة ما". هنا لا يمكنك أن تطبق قانون "باسكال"، حيث "الخيار الأفضل هو الخيار الذي يمنح إمكانية الربح الأفضل"، فأنت في متاهة لو مرَّ بها "شاتوبريان، كما فعل في كتابه "ذكريات من وراء القبر"، لكرَّر مرَّةً أخرى: "أنا أعرف لماذا أموت، لكنني لا أعرف لماذا وُلِدتُ". وهنا تحديدًا، يمكننا استعارة اسم رواية صامويل بيكيت "من أجل لا شيء" لزيادة جرعة العبث، بدلاً من استعارة ديدانه فقط كما فعل الشاعر، لنرى كيف يطوق العفن والموت الضاحك هذه الحفرة. تتداخل الأصوات في النصوص بشكل عميق ومعقد، حيث نجد سيموفونية آداجيو لامونتوزو تتشابك مع صوت امرأة تجلس على