لم يعد الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية مجرد انتشار ميداني مؤقت، وفق الرواية الإسرائيلية نفسها. فبينما اكتشف مستوطنون قرب الحدود أن موقعاً عسكرياً مخصصاً لحمايتهم بات خالياً، جاء التبرير الرسمي ليكشف أن الجنود نُقلوا من المواقع الخلفية إلى انتشار متقدم داخل جنوب لبنان. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "معاريف"، فوجئ سكان مستوطنة نتوعا المحاذية للحدود اللبنانية بأن الموقع العسكري القريب منهم لم يعد مأهولاً بصورة دائمة، من دون إبلاغهم مسبقاً بهذا التغيير. وقال رئيس لجنة المستوطنة يوآف كوهين إن ما جرى عمّق أزمة الثقة بين السكان والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي، موضحاً أن ضباطاً كباراً كانوا قد وعدوهم، عقب حرب "السيوف الحديدية"، بإقامة تحصينات ومواقع تفصل بينهم وبين الحدود، على أن تنتشر فيها فصيلة مشاة للتعامل فوراً مع أي محاولة تسلل. إلا أن تبديل الكتيبة المنتشرة في المنطقة قبل أكثر من 10 أيام كشف أن الموقع أصبح خالياً. وقال كوهين: "هناك مشكلة في العديد، ونحن ندرك أن القوات المقاتلة منهكة جداً، ولذلك يجري تخفيفها وفقاً للحاجات. الموقع خالٍ". وأضاف: "كان من الواجب أن يشرحوا لنا، لا أن نكتشف بأنفسنا وجود موقع جميل ومنظم لكنه خالٍ. يتركون الأضواء مشتعلة كي يعتقد الآخرون أن أشخاصاً موجودون في الداخل، تماماً كما يفعل من يغادر منزله ويترك الضوء مضاءً لمنع اللصوص". وربط كوهين ما يحدث بالمخاوف من العودة إلى التصورات الأمنية التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول، قائلاً إن غالبية المواقع الإسرائيلية عند الحدود اللبنانية كانت خالية آنذاك، ومؤكداً أن الثقة بالمستوى العسكري الأعلى تضررت بشدة. وعندما سُئل عما إذا كان الهدوء قد عاد إلى المنطقة، أجاب: "الجميع يعتقد أن الحرب انتهت وأن كل شيء على ما يرام، لكن لا تمر ليلة هنا من دون انفجارات". غير أن اللافت جاء في رد مجلس "معاليه يوسف" الإقليمي، الذي نفى أن يكون إخلاء بعض المواقع ناتجاً من نقص في عديد القوات، وأوضح أن الجيش الإسرائيلي أعاد انتشاره وفق مبدأ "الدفاع من الأمام". وقال المجلس إن القوات التي كانت تتمركز في المواقع الداخلية باتت تنفذ مهمات دفاعية من داخل ما وصفه بـ"المجال الأمني في جنوب لبنان"، ولذلك لم تعد بعض مواقع التعزيز داخل المستوطنات مأهولة بصورة دائمة. وبذلك، تحوّل اعتراض المستوطنين على موقع خالٍ إلى إقرار إسرائيلي واضح بأن تخفيف الانتشار خلف الحدود يجري بالتوازي مع تعميق الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل مواقع جنوبية وتعرقل استعادة لبنان سيادته الكاملة على المنطقة.