عاد الحديث مؤخراً عن احتمال استخدام روسيا للسلاح النووي في أوكرانيا. هذا في الإعلام الغربي على الأقل. فقد نقلت "بلومبرغ" عن "مصادر مقربة من الكرملين" قولها إن تزايد وتيرة الضربات الأوكرانية مؤخراً دفع عدداً متزايداً من المسؤولين الروس إلى استنتاج أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يلجأ إلى استخدام السلاح النووي التكتيكي كـ "ملاذ أخير". كذلك، نقلت الشبكة نفسها عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤول أوروبي رفيع قولهما إن الصين وجّهت رسالة مباشرة إلى روسيا تحذّرها فيها من التفكير باستخدام هذه الأسلحة. اللافت للنظر أيضاً أن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب قال لشبكة "أليكس سبرينغر" يوم السبت إن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أبلغه خلال الصيف معارضة حاسمة من بلاده لهذا الاحتمال قائلاً: "لن نسمح أبداً بحدوث ذلك". في الأول من أيلول/سبتمبر الحالي، ورداً على سؤال بشأن كلام ستوب، جاء جواب الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون محايداً. بعدما أحال صاحبَ السؤال إلى البيان الرسمي الذي أعقب لقاء المسؤولَين في 5 تموز/يوليو الماضي، أضاف أن "موقف الصين من حرب روسيا ضد أوكرانيا واستخدام الأسلحة النووية ثابت وواضح. نواصل الدفاع عن محادثات السلام والتسوية السياسية للنزاع". ولم يُظهر البيان ما يتعلق بموقف الصين من الخيار الروسي النووي. باختصار، تحاشت بكين تأكيد أو نفي ما نقله ستوب. ربما كان كلام وانغ مخصصاً لجلسة خاصة بحيث لم يتوقع أن يسرّبه الرئيس الفنلندي إلى الإعلام. الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب. (أب/تاس) مع ذلك، إن كلام وانغ المفترض، وبالصيغة التي جاءت على لسان ستوب، يثير الاهتمام. لم يقل وزير الخارجية الصيني إن بلاده ستبذل قصارى جهدها لإقناع بوتين بعدم استعمال السلاح النووي، في حال كان هناك قرار بذلك. بدا رأس الديبلوماسية الصينية شديد الثقة بقدرة بلاده على منع صدور قرار كهذا في الأساس. حتى ستوب بدا مرتاحاً لسماع الإجابة المفترضة: "أعتقد أن هذا رادع جيد جداً". وزير الخارجية الصيني وانغ يي في إندونيسيا لحضور الحوار الاستراتيجي المشترك بين البلدين، 21 أغسطس 2026. (أ ب) لكن ما الذي يجعل الصين متأكدة إلى هذا الحد من قدرتها على التحكم بصناعة القرار الأهم في روسيا وهي اختيار اللجوء إلى السلاح النووي من عدمه؟ هل نبَعَ الكلام المفترض عن محاولة طمأنة مبالغ بها للأوروبيين، أكثر من كونه تجسيداً لقدرات الصين الحقيقية على التأثير في القرار الروسي؟ هذا احتمال. الاحتمال الثاني هو أنه بالنظر إلى دعم الصين الكبير لروسيا، أكان عبر تحويل رقائق ذات استخدام مزدوج بحسب اتهامات غربية، أو عبر شراء موارد الطاقة الروسية بما يديم اقتصاد الحرب، باتت بكين تمتلك نفوذاً وازناً في موسكو. ومع تعثر الجيش الروسي في الحرب ضد أوكرانيا وتغير موازين القوى بين الدولتين، بات غربيون كثر يصفون روسيا بأنها "الشريك الأصغر" للصين. المشكلة أن السلاح النووي قد لا يدفع روسيا إلى التفكير بإمكانية حسم الحرب مع أوكرانيا وحسب، بل أيضاً إلى محاولة التخلص من توصيف "الشريك الأصغر". الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ يتحدثان في قصر تشونانغهاي الصيني، 2025. (أ ب) مع انبلاج فجر العصر النووي، سادت اعتبارات كثيرة بشأن تطوير القنبلة. سنة 1968، قال الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول إن "أي دولة بلا قنبلة ذرية لا يمكنها اعتبار نفسها بشكل ملائم (دولة) مستقلة". حالياً، يبدو أن أكبر ترسانة نووية حول العالم لم تعد تضمن لروسيا استقلاليتها، بما في ذلك التحكم التام بالترسانة نفسها. بشكل بديهي، لا تستطيع الصين تماماً منع روسيا من استخدام السلاح النووي متى ما اتخذ بوتين القرار النهائي بذلك، إلا إذا ضربت منصات الإطلاق مسبقاً، أو كان لديها جواسيس ضمن سلسلة القيادة والإمرة النووية في روسيا لتعطيل القرار. وكلا السيناريوين أقرب إلى الخيال. وعلى أي حال، لا مؤشرات لدى أي دولة إلى أن بوتين يحضّر الآن لاستخدام السلاح النووي. لكن ثقة الصين بقدرتها على منع الخيار الروسي الكارثي، وبالحد الأدنى ثقة بعض الأوروبيين بإمكانات بكين في هذا السياق، تؤكد مجدداً حجم التحول الكبير الذي شهده العالم منذ أواخر الستينات وحتى اليوم.