اندلعت جولة جديدة من المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة مساء يوم الثلاثاء الماضي، إذ قصفت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أهدافاً في جنوب إيران، وردت إيران بإطلاق صواريخ باتجاه قواعد للجيش الأميركي في الأردن والإمارات. وقال وزير الخزانة الأميركي يوم الثلاثاء، إن الهدف من الضغط الاقتصادي والهجوم العسكري على إيران هو إجبارها على قبول اتفاق. من جهته، لا يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصعيد التوتر فيما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال الأيام القليلة الماضية، ولا سيما قبيل زيارته إلى بيشكيك عاصمة قيرغيزستان للمشاركة في اجتماع قمة شنغهاي، أن بلاده لا ترغب في الحرب، لكنها تجيد الدفاع عن نفسها. لكن يبدو أن بزشكيان يواجه معارضين جادين داخل إيران يمكنهم إفشال أي تفاهم أو اتفاق مع أميركا. كانت مذكرة تفاهم إسلام آباد قد أحيت الآمال في التوصل إلى اتفاق دائم بين إيران وأميركا وإنهاء الحرب في كامل منطقة الشرق الأوسط، ورغم قبولها رسمياً في إيران، بل وصوت لصالحها 12 عضواً من أصل 13 في المجلس الأعلى للأمن القومي، باستثناء سعيد جليلي المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مادة خصام. بذل الرئيس بزشكيان كل ما في وسعه لنجاح هذه المذكرة واستمرارها، وقدمها على أنها نتاج إرادة جماعية للنظام وحظيت بموافقة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مؤكداً أن بنود هذه المذكرة عدلها المرشد الجديد 28 مرة، ولم تُعرض للتصويت في المجلس الأعلى للأمن القومي إلا بعد إدراج جميع مطالبه في نص المذكرة. هذه التوضيحات لم ترضِ المتشددين داخل النظام، وهم أقرب إلى العسكريين، حتى أصدر المرشد مجتبى خامنئي رسالة مكتوبة بشأن مذكرة تفاهم إسلام آباد قال فيها إنه كان له رأي آخر من حيث المبدأ، لكنه قبل برأي الرئيس بزشكيان لميله إلى التفاوض والتفاهم. فتح هذا الكلام المزدوج لمجتبى خامنئي الباب أمام تفسيرات مختلفة ومتضاربة، إذ ألقى المتشددون باللائمة على حكومة بزشكيان واتهموها بإجبار المرشد على قبول المذكرة. تشييع جنازة خامنئي الأب وبداية تحول الموقف حتى تشييع جنازة المرشد السابق، كان الطرفان ملتزمين ببنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، لكن الأجواء الحماسية لتشييع الجنازة المهيبة للمرشد السابق علي خامنئي في إيران والعراق رجحت كفة المتشددين المطالبين بالحرب. بالتزامن مع تشييع جنازة المرشد السابق وعدد من أفراد أسرته، حوّل هؤلاء خطاب الانتقام أو الثأر إلى خطاب سائد، وطرحوا السؤال: لماذا لا نقوم بعمل مماثل رداً على اغتيال المرشد والقادة العسكريين الكبار، ولماذا نضيع دماءهم؟ قبل أن يُعيّن محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، صرّح في مقابلة بأنه عندما يعلن المرشد أن له رأياً آخر من حيث المبدأ، يتضح أن المفاوضين الإيرانيين لم يصنعوا صواباً بقبولهم المذكرة، وكان ينبغي لهم العمل وفق رأي المرشد. يبدو أن هذا الموقف لمحسن رضائي لاقى قبولاً لدى المرشد الجديد، الذي عيّنه بعد أيام ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي، ما فتح الطريق لتعيينه أمينا لهذا المجلس من قبل الرئيس، لأن تعيين أمين المجلس يتم دائمًا بالتنسيق مع المرشد، وبالتالي فإن اختيار محسن رضائي لهذا المنصب لم يكن بمعزل عن مواقفه المتشددة. يبدو أن خطاب الثأر والانتقام قد لاقى قبولاً لدى مجتبى خامنئي أيضاً، لأنه فقد والده وزوجته وأخته وعدداً من أفراد أسرته جراء العدوان العسكري الأميركي والإسرائيلي. لا تذكر مذكرة تفاهم إسلام آباد شيئا عن هؤلاء ولا عن القادة الشهداء الكبار، بل إن ممثلي إيران بقبولهم هذه المذكرة فتحوا الطريق حتى للتبادل التجاري بين إيران وأمريكا. كان وزير الخارجية ورئيس البنك المركزي الإيراني قد صرحا رداً على ادعاء ترامب الذي بشر المزارعين الأميركيين بأن إيران ستشتري منتجاتهم قريباً، بأن إيران ليست ملزمة بشراء المنتجات الزراعية من أميركا، لكنها دائما كانت تشتري المنتجات الزراعية الأميركية، وحتى حكومة إبراهيم رئيسي وقعت عقداً لشراء الذرة من أميركا. الفجوة بين الثأر من أميركا وشراء الذرة والأرز منها شاسعة جداً. كان المرشد السابق بعد إبرام الاتفاق النووي عام 2018 قد أمر بإعادة السيارات الأميركية الصنع التي كانت تنتظر التخليص في الموانئ، لكن وفق مذكرة اسلام آباد كان من المسموح أن تستورد المنتجات الغذائية الأميركية إلى إيران. قرب الانتخابات النصفية الأمريكية يغري الجناح المتشدد أغرى قرب الانتخابات النصفية الأميركية الجناح المتشدد في إيران بإمكانية فرض هزيمة انتخابية على حزب ترامب من خلال استئناف المواجهة مع أميركا، وربما يعتبر هذه الهزيمة بمثابة انتقامه، لأن إيران لا تملك قدرة الانتقام العسكري من أميركا، لكنها تستطيع استغلال الانقسام العميق في الولايات المتحد