بعد أشهر من الحرب، وعلى وقع الدمار الذي لا تزال آثاره حاضرة في أبنية الضاحية الجنوبية وشوارعها، اختار أهلها أن يفتحوا مساحة للحياة بأنفسهم. هكذا انطلق، الأربعاء 2 أيلول، مهرجان "الضاحية الأبية"، على أن يستمر حتى 6 أيلول، في أول مهرجان يُقام في المنطقة بعد الحرب. هو ليس مجرد مساحة لعرض المنتجات أو إقامة الفعاليات. في خلفيته حكاية مكان يحاول استعادة إيقاعه، وأصحاب مشاريع صغيرة يحاولون الوقوف مجددًا بعدما انقطعت أعمالهم، وأهالٍ يريدون أن يقولوا إن الحرب، مهما أثقلت عليهم، لم تنجح في إيقاف حياتهم. من المونة إلى الحرف اليدوية، ومن الألعاب إلى الشتول والمنتجات الزراعية، يجمع المهرجان مشاركين من مناطق مختلفة، من بيروت والضاحية إلى الجنوب والبقاع. مساحة واحدة تلتقي فيها منتجات وأصحاب مشاريع حملوا معهم آثار الحرب، كما حملوا إصرارًا على الاستمرار. طوال الفترة الماضية، بقيت الضاحية الجنوبية تواجه تبعات الحرب، من الأبنية المدمرة والمتضررة والآيلة إلى السقوط، إلى مصير التعويضات الذي لا يزال يشغل بال الأهالي وأصحاب المصالح. وبينما ينتظر كثيرون مسارًا واضحًا لإعادة الإعمار وترميم ما تهدم، تبدو الحياة اليومية أكثر استعجالًا. المحال تريد أن تفتح أبوابها، وأصحاب المشاريع الصغيرة يريدون استعادة أعمالهم، والمنتجون يريدون بيع ما يصنعونه. لذلك، يأتي المهرجان كخطوة تبدو، في جانب منها، محاولة لاستعادة ما يمكن استعادته الآن، بدلًا من انتظار اكتمال الصورة الكبرى. فأهالي الضاحية لا يملكون ترف الانتظار. وبعدما تضررت مواسم وأعمال ومصالح كثيرة، يطلّون اليوم من مساحة المهرجان ليعلنوا بداية فصل جديد: نحن هنا، نعمل وننتج ونفتح أبوابنا من جديد. ولا يبدو هذا الإعلان موجّهًا إلى الداخل فقط. فالمهرجان، بما يجمعه من مشاريع صغيرة ومنتجين من مناطق مختلفة، يحمل أيضًا دعوة إلى الناس للمجيء والشراء والتعرّف إلى ما بقي حيًا من اقتصاد هذه المناطق. دعم لا يحتاج بالضرورة إلى كثير من الكلام، بل إلى أن تُشترى قطعة من منتج محلي، أو جرة مونة، أو عمل يدوي، أو عسل، بما يسمح لأصحاب المشاريع الصغيرة بأن يلتقطوا أنفاسهم ويبدأوا من جديد. في "بيت الجريح"، تُعرض حرف تراثية وأعمالٌ نفذها جرحى الحرب، في محاولة لتحويل الإنتاج إلى وسيلة دعم، وإلى مساحة يستعيد فيها الجريح دوره وقدرته على العمل. يقول محمود عبد النبي لـِ "المدن" إن المشاركة في المهرجان تحمل رسالة واضحة: "مهما حصل ومهما عملوا، نحن مكملين". ويضيف أن الجرحى، رغم الصعوبات التي يمرون بها، "ما زالوا ينتجون". الإنتاج هنا ليس مجرد عمل. بالنسبة إلى كثير من المشاركين، هو شكل من أشكال استعادة القدرة على الحياة، بعدما فرضت الحرب خسائر لا تزال آثارها مستمرة. في أحد أقسام المعرض، تعرض زهراء فضل الله منتجات "ورود زهراء"، وهو مشروع صناعة الورد من قماش الساتان، بدأت العمل عليه بعد حرب 2024. تقول لـِ "المدن" "نحن لن نستسلم رغم كل الصعوبات". تحب زهراء الأعمال اليدوية، لكن الحرب تركت أثرها الكبير على عملها. ومع ذلك، اختارت أن تعود إلى مشروعها، وتشارك في المهرجان، محاولة "الوقوف على إجرينا" واستكمال الطريق. ليس مشروع زهراء حالة منفردة. فبالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغيرة، كل عودة إلى الإنتاج تعني استعادة جزء من الحياة التي انقطعت. من عيترون إلى صريفا.. "هذه الأرض أرضنا" يحمل غسان توبة، ابن عيترون، معه إلى المهرجان منتجًا يرتبط بالأرض مباشرة: العسل. كان يربي النحل في عيترون، لكن الحرب فرضت عليه الانتقال، فأسس مشروعه في صريفا. يقول "هذه الأرض أرضنا وسنبقى فيها وسنبقى ننتج". بالنسبة إليه، الاستمرار في تربية النحل والإنتاج ليس فقط مصدر رزق، بل هو إثبات على أن العلاقة بالأرض لا تنتهي بالحرب. يشرح لـِ "المدن": "نحن نثبت أننا سنبقى ننتج من أرضنا ونعيش من أرضنا، مهما حصل، والحياة ستستمر". ويريد توبة أن يرى العالم ما ينتجه الناس رغم الصعوبات والخسائر. "نكفي، ونريد الناس أن يروا ما ننتج رغم المآسي"، يقول، في اختصار يلخّص حاجة أصحاب المشاريع الصغيرة: الاستمرار يحتاج إلى سوق، والسوق تحتاج إلى ناس يأتون ويشترون ويدعمون. من الخيام، تشارك ميريم عبد الله بقسم للكروشيه. بالنسبة إليها، لم يكن المعرض مجرد فرصة للبيع، بل مساحة أعادت إليها شيئًا من الثقة. تقول إنَّ المشاركة "أعطتنا دعمًا وقوة من أول وجديد"، مضيفة أن أصحاب المشاريع يحتاجون إلى الناس كي يتمكنوا من الاستثمار مجددًا في أعمالهم. وفي هذا المعرض، تلتقي قصص الجنوب بقصص الضاحية. الحرب واحدة في آثارها، وإن اختلفت تفاصيلها من منطقة إلى أخرى. نجوى غازي، من بليدا، كانت تحضّر المونة في بلدتها. اليوم، جاءت بمنتجاتها إلى المعرض. تعبّر لـِ "المدن": "الرسالة اليوم أننا قمنا من بين الردم وأتينا لنشا