كثّفت الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة من إجراءاتها في الضفة الغربية المحتلة، لتشمل مناطق تقع ضمن التصنيف "ب" الخاضع إدارياً للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو. وتتم هذه الخطوات عبر وحدة "ضابط الآثار" في الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، التي تحولت إلى أداة مركزية في السيطرة على الأراضي بذريعة حماية المواقع الأثرية، في إطار مسعى رسمي لفرض وقائع ميدانية قبل الانتخابات المقررة في أواخر تشرين الأول/أكتوبر المقبل.ووفق تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" اليوم الأربعاء، فإن وحدة ضابط الآثار كانت قبل سنوات قليلة هيكلاً صغيراً لا يضم أكثر من 10 موظفين، ومهمتها الأساسية كانت مراقبة الحفريات لضمان عدم وجود مكتشفات أثرية في مناطق التطوير. وبلغت ميزانيتها آنذاك 14 مليون شيكل في العام 2019. لكن الوضع تغير جذرياً، إذ تحولت الوحدة إلى ذراع تنفيذية لوزارة التراث الإسرائيلية في الضفة، وارتفعت ميزانيتها إلى 124 مليون شيكل، فيما تضاعف عدد العاملين فيها إلى 60 شخصاً. وفي مؤشر إضافي على التوسع، استقدمت إسرائيل الأسبوع الماضي 19 عاملاً من سريلانكا للعمل في الحفريات الأثرية عبر الإدارة المدنية، بعد امتناع المستوطنات عن تشغيل عمال فلسطينيين كانوا يشغلون هذه المواقع سابقاً.وكانت وزارة التراث قد أعلنت الشهر الماضي عن تخصيص 113 مليون شيكل لتطوير 70 موقعاً في الضفة الغربية، وتم تحويل 99.5 مليون شيكل منها في تموز/يوليو الماضي. غير أن الصحيفة لفتت إلى أن عدداً من هذه المشاريع لا يرتبط بمواقع أثرية فعلياً. وتبلغ ميزانية وحدة ضابط الآثار في الإدارة المدنية ضعف ميزانية سلطة الآثار الإسرائيلية داخل الخط الأخضر، والتي تقدر بـ57 مليون شيكل للعام الجاري. وصرّح المدير العام لوزارة التراث إيتاي غرنك، بأن اللجنة التوجيهية الحكومية أقرت مخطط "طريق البلاد التراثية" بميزانية نصف مليار شيكل، بهدف الحفاظ على المواقع الأثرية في الضفة وتطوير البنية التحتية المؤدية إليها، إلى جانب "محاربة سرقة الآثار والتصدي للمقاطعة الأكاديمية" ضد إسرائيل.وأشار غرنك في مقابلة مع موقع "القناة 7" الإسرائيلي اليميني إلى مشاريع محددة، منها إقامة "حديقة وطنية" في سبسطية، وأعمال في بركة هيرودوس قرب هيروديون جنوب القدس المحتلة بكلفة 3 ملايين شيكل، إضافة إلى استثمار 10 ملايين شيكل في برك سليمان. وقال إن سلم الأولويات قد يتبدل في حال تشكلت حكومة جديدة بعد الانتخابات، مؤكداً أن العمل يجري "بكل قوة كي نفرض أكثر ما يمكن من الحقائق على الأرض، وللحفاظ على التراث الهائل ليهودا والسامرة للأجيال القادمة". وعلى الصعيد التشريعي، قدم عضو الكنيست عن الليكود، عَميت هليفي، مشروع قانون لإقامة سلطة آثار إسرائيلية في الضفة، وصادقت عليه الكنيست بالقراءة التمهيدية. إلا أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو علّق التقدم بالمشروع في حزيران/يونيو الماضي، بعد معارضة سلطة الآثار الإسرائيلية التي حذرت من تداعيات على التعاون الدولي والأبحاث الأكاديمية.وذكر التقرير أن قائد القيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي منح ضابط الآثار صلاحيات إنفاذ داخل المناطق "ب"، وبدأت الوحدة بمصادرة معدات هندسية من فلسطينيين بذريعة إلحاق الضرر بمواقع أثرية.وأبرزت الصحيفة أن وتيرة هذه الإجراءات تسارعت بعد تعيين عميحاي إلياهو من حزب "عوتسما يهوديت" وزيراً للتراث، ونقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وأوردت "هآرتس" مثالاً على حدود صلاحيات الوحدة، إذ طرد ضابط الآثار مستوطنين من بركة قديمة في منطقة فصائل بالأغوار بعد سرقة مياهها والإضرار بالموقع، وأقام سياجاً حولها. لكن المستوطنين عادوا واقتحموا المكان لاحقاً، وحضر الوزير إلياهو لالتقاط صور معهم والقفز في مياه البركة. وأعلن سموتريتش بعدها عن تخصيص ميزانية لترميم البركة وتسهيل الوصول إليها.ونقلت الصحيفة عن عالم الآثار ألون أراد، المدير العام لمنظمة "عمق شبيه" المعنية بحقوق الثقافة والتراث، قوله إن وحدة ضابط الآثار "تحولت في السنوات الثلاث الأخيرة إلى ذراع تنفيذي للضم والسيطرة على مناطق لصالح المستوطنين". وأضاف أن "الوحدة أصبحت في خدمة الوزير الخلاصي بشكل كامل في ظل الحكومة الحالية وميزانياتها الضخمة". وتابع أراد أن "1% فقط من ميزانية الوحدة مخصصة لمنع سرقة آثار، بينما يتم ضخ ملايين الشواكل من أجل الاستيلاء على مواقع وتهويد الضفة الغربية وتعميق سيطرة المستوطنين على الأرض ودفع الضم قدما".