في موازاة الاستقطابات السياسيّة والأمنيّة التي يشهدها الشرق الأوسط، بل على أساسها، تنقسم المنطقة بأسرها بين مشاريعَ اقتصاديّة متنافسة، لإعادة رسم خرائط النقل وممرّات التجارة وخطوط إمداد الطاقة. وفي تلك المشاريع، تتحوّل الاستثمارات في البنى التحتيّة، بما في ذلك الموانئ وسكك الحديد وخطوط النفط والغاز، إلى أدوات نفوذ تحدد موقع كل دولة ضمن التحالفات الإقليميّة الناشئة. وفي قلب هذا السباق، يقف لبنان عند مفترق طرق سياسي، بينما تنتظر مشاريعه الحيويّة حسم وجهة البلاد الاستراتيجيّة وموقعها من المعسكرات التي تتشكّل حولها. في مواجهة تركيا وطموحاتها في قطاع الطاقة، تشكّل خلال العقد الماضي محور مضاد يجمع ما بين قبرص واليونان وإسرائيل. بطبيعة الحال، لم يقدّم هذا المحور نفسه بشكلٍ رسمي كتحالفٍ لتحدّي أنقرة. غير أنّ جميع مشاريعه تقوم عملياً على إنشاء مسار يسمح بربط حقول غاز شرق المتوسّط بأوروبا، من دون المرور بالأراضي التركيّة. وفي أواخر العام الماضي، كرّس قادة هذا المحور الثلاثي هذا التوجّه، عبر الاتفاق على عقد قمم دوريّة، لتعزيز حماية الممرّات البحريّة والبنى التحتيّة الحيويّة، ودفع مشاريع الغاز والربط الكهربائي والطاقة المتجدّدة، مع توسيع التعاون ضمن معادلة 3 + 1، التي تضم الدول الثلاث إلى جانب الولايات المتحدة. ولهذا المحور مشاريعه الواضحة والمعلنة. الأوّل هو Great Sea Interconnector، الذي يستهدف ربط شبكات الكهرباء من إسرائيل إلى قبرص، ومنها إلى اليونان والاتحاد الأوروبي، ما يسمح بنقل الكهرباء المنتجة بالغاز الطبيعي في الاتجاهين. وفي آب الماضي، اكتسب هذا المشروع زخماً إضافياً، مع دخول مجموعة ميريديام باستثمارات كبيرة فيه. أمّا المشروع الثاني، فهو خط الغاز EastMed، المخصّص لنقل الغاز من حقول إسرائيل وقبرص إلى اليونان، ومنها إلى أوروبا. وبانتظار بدء تنفيذ هذا الخط، تعزّز إسرائيل وقبرص الرهانات على منشآت تسييل الغاز في مصر، لتصدير الغاز باتجاه أوروبا. في المقابل، لدى أنقرة طموحها المعلن والمعروف جداً: أن تفرض نفسها مركزاً برياً لنقل وتجميع وإعادة تصدير مصادر الطاقة. ولتحقيق هذا الهدف، لا تتحرّك تركيا ضمن تحالف ثابت ومحدّد، بل تسعى إلى بناء منظومة طاقة إقليميّة تتمحور حول بنيتها التحتيّة: جنوباً باتجاه سوريا والعراق والخليج، وشرقاً نحو أذربيجان وتركمانستان، وشمالاً نحو روسيا، وغرباً نحو أسواق الاستهلاك الأوروبيّة. في الجانب المرتبط بالشرق الأوسط من هذا المشروع، تفاوض تركيا العراق على مشاريع استراتيجيّة، تسمح بتوسعة وتمديد خطوط كركوك-جيهان حتّى مدينة البصرة، وهو ما سيسمح بربط تركيا بكبرى حقول النفط العراقيّة. أمّا سوريا، فستمثّل الحلقة التي تسمح بربط الشبكات التركيّة بالمشرق العربي، ومنه إلى الخليج لاحقاً. وهذا ما يحقّقه اتفاق التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة، الذي تلاه استكمال خط الغاز بين كيليس وحلب، ما سيمثّل مقدّمة لاستكمال هذا الربط بجميع الأراضي السوريّة. وهكذا تتقدّم تركيا في المنطقة وفق مقاربة تدريجيّة، تبدأ ركائزها في العراق وسوريا، تمهيداً لإنشاء "منظومة طاقة إقليميّة" جديدة. وهذا ما سيتكامل مع مشاريع الربط الأخرى التي عملت عليها تركيا، في مجال الطاقة، مع روسيا وأذربيجان وأوروبا. هكذا، يقف لبنان عند مفترق طرق بين مشروعين. فمشروع الربط النفطي بين لبنان والعراق، الذي يتكامل بدوره مع مشروع الربط ما بين سوريا والعراق، سيضع لبنان على طريق منظومة الطاقة الإقليميّة، المتصلة بتركيا والمتقاطعة مع مشاريعها. غير أن الجانب التركي قرأ رسالة مغايرة في وقتٍ سابق، عند إسراع بيروت في ترسيم حدودها البحريّة مع قبرص، قبل إنجاز الترسيم القبرصي-السوري وحسم الخلاف الحدودي القبرصي-التركي. كما بدا واضحاً أن قبرص تحاول تقريب لبنان من مشاريعها الإقليميّة، من خلال الدفع باتجاه الربط الكهربائي بين البلدين، وهو ما يتكامل مع مشروع Great Sea Interconnector. تتكرّر المعسكرات، بشكلٍ موازٍ، في مشاريع النقل والتجارة. وفي هذا المجال، يبرز المشروع الأوّل تحت عنوان "الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)"، الذي جرى الإعلان عنه للمرّة الأولى في نيودلهي في أيلول 2023. وهذا المشروع يتألف نظرياً من قسمين: ممر شرقي يصل الهند بحراً بدول الخليج العربي، وممر شمالي يصل الإمارات شمالاً بإسرائيل ومنها إلى أوروبا. ولا يقتصر المشروع على نقل الحاويات والسلع، بل يشمل إنشاء خطوط للكهرباء والهيدروجين النظيف، وكابلات للاتصالات ونقل البيانات. ولهذا السبب، يتقاطع المشروع مع مشاريع الثلاثي "قبرص-إسرائيل-اليونان" في مجال الطاقة، ولا سيما في ما يخص الربط البحري الكهربائي وحماية طرق الملاحة والبنية التحتيّة في شرق المتوسّط. في مقابل هذا المشروع، تراهن تركيا والعراق على