تدور حكاية فيلم "غرق" للكاتبة والمخرجة الأردنية زين دريعي حول "باسل"، شاب يعيش اضطرابًا نفسيًا يتفاقم داخل عائلته. وفيما تحاول والدته "نادية" أن تحيطه بالحب والقبول، تتشقق في الوقت ذاته علاقتها بزوجها وأولادها الآخرين. ومع تصاعد حالته، يتحول البيت إلى مساحة من الخوف والإنكار والعجز، لتصبح الأم نفسها جزءًا من عملية الغرق. "باسل" يغرق، لكن "نادية" تغرق معه، والأسرة كلها تجد نفسها أمام أزمة لا تعرف كيف تواجهها. في حديث مع "نداء الوطن"، تتوقف دريعي عند تجربتها في فيلم "غرق"، كتابة وإخراجًا، وعند الخيارات الدرامية والإنسانية التي صاغت هذا الفيلم. تجربة لا تتعامل مع المرض النفسي بوصفه تشخيصًا، بل جرحًا يطال صاحبه ومَن حوله، وتضع المشاهد أمام سؤال شديد البساطة والقسوة: ماذا نفعل حين نحب شخصًا ولا نعرف كيف ننقذه؟ وماذا لو كان الحب، مهما بلغ، غير كافٍ؟ تضع دريعي الأم في قلب الفيلم، لا لأنها تريد تقديم نموذج للأم المثالية، بل لكونها ترى فيها مرآة للمجتمع. "نادية" تخطئ، وتنكر، وتتردد، وتتمسك بابنها حتى عندما يصبح وجوده خطرًا عليها وعلى الآخرين. لكنها تحاول، في الوقت نفسه، أن تفهمه وتحترمه وتتقبله. وهنا يبرز السؤال الذي كان أحد أهم تحديات الكتابة: هل يكفي الحب؟ الإجابة التي يقترحها الفيلم ليست رومانسية: الحب لا يكفي. إذ إن المشكلة تحتاج إلى علاج وصبر ورحلة طويلة، وتحتاج قبل ذلك إلى معرفة كيف نطلب المساعدة. لهذا رفضت دريعي أن تسمّي مرض "باسل" أو أن تقدّمه باعتباره حالة محددة. أرادت أن يرى الجمهور الإنسان قبل التشخيص، وأن يتعامل مع الشخصية من خلال خوفها ووحدتها وعلاقاتها، لا من خلال اسم المرض. فالسينما، بالنسبة إلى الكاتبة والمخرجة، ليست عيادة تقدم وصفة، ولا منبرًا يوزع الإجابات، بل وسيلة لفهم العالم وطرح الأسئلة. وهذا الخيار يحمي "غرق" من واحد من أخطر الفخاخ التي واجهتها دريعي أثناء الكتابة: الميلودراما. كانت تخشى أن يتحوّل الفيلم إلى قصة مبالغ فيها عن الشخص المريض. لذلك أعادت الكتابة والحذف والتخفيف، حتى صار الصمت أحيانًا أهم من الحوار، واللقطة الأوسع أقوى من الاقتراب من الوجه. وتمتد هذه الرؤية إلى الصورة نفسها. فالتصوير في الفيلم لا يرافق الحكاية فحسب، بل يشارك في روايتها. وقد اشتغلت دريعي مع مدير التصوير التونسي فاروق العريض على بناء عالم بصري يحمل الحالة النفسية للشخصيات من دون أن يشرحها مباشرة. لذا يصبح الماء في الفيلم أكثر من رمز أو مجرد استعارة للمرض، بل فضاء نفسيًا ودراميًا وبصريًا تتحرك داخله الشخصيات. "نادية" تسبح إلى جانب ابنها، بينما هو يهبط تدريجيًا، من دون أن تنتبه إلى أنها تفقده. تبدو الصورة عادية في ظاهرها، لكن تحت سطحها يحدث شيء آخر: أم تغرق مع ابنها. ومن الماء تمتد اللغة البصرية إلى الألوان. فالأحمر يرتبط بطاقة "باسل" وانفعاله، قبل أن تتحول اللوحة تدريجيًا نحو الأزرق والأخضر. حتى البيت، بغرفه وأبوابه ودرجه وتفاصيله، يصبح امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات. بهذا المعنى، لا يكون التصوير خلفية للحكاية، بل لغة موازية لها، وهو ما يمنح الفيلم جزءًا من قوته السينمائية. يحمل كلارا خوري ومحمد نزار الفيلم على كتفَيهما بأدائهما التمثيلي. كانت دريعي مدركة أنّ الشخصيتَين تحتاجان إلى أداء داخلي لا استعراض فيه. "باسل"، تحديدًا، شخصية جسدية، وحالته تظهر في الحركة والطاقة واليد والنظرة بقدر ما تظهر في الوجه. أما "نادية"، فتحملها خوري عبر طبقات من الحب والخوف والإنكار والانهيار، من دون الوقوع في الاستعراض الميلودرامي. كان على زين دريعي أن تنجز الفيلم خلال 22 يومًا فقط، في نحو 136 مشهدًا، بينها مشاهد الرقص والركض والمسبح، ما جعل التحضير جزءًا أساسيًا من عملية صناعة الفيلم. لكنها، في تعاملها مع الممثلين، لا ترى نفسها صاحبة السلطة الوحيدة على الشخصية، بل تعتبر أنّ مهمّة المخرج هي استخراج أفضل ما لدى الممثل، حتى لو قاد ذلك إلى إعادة كتابة مشهد أو حذف ما يبدو زائدًا. "باسل" ليس الشخصية الوحيدة التي تغرق. العائلة تغرق معه، والمدرسة والمجتمع حاضران في تكوين أزمته. المدرسة لا تفهمه، والأسرة لا تعرف كيف تتعامل معه، والمؤسسات لا تبدو دائمًا قادرة على الاستجابة في لحظة الأزمة. وهكذا تتحوّل العائلة إلى صورة مصغرة عن مجتمع يعاني نقص الوعي، والخوف من الوصمة، وعدم معرفة الطريق إلى المساعدة. المفارقة أنّ دريعي لم تصنع فيلمًا سياسيًا، لكنّ الفيلم بدأ يتحوّل إلى سؤال سياسي بعد عروضه. أمهات في الأردن وخارجه تحدثن إليها عن تجارب مشابهة، ونُظِّمت نقاشات حول الصحة النفسية، فيما طلبت مؤسسات متخصصة عرض الفيلم ومناقشته مع اختصاصيين والبحث عن وسائل لمساعدة العائلات. وهنا تكتشف دريعي أن الصحة النفسية تصبح "مسألة سياسية"، لأنها مرتبطة بالأنظمة والمؤسسات وبالسؤ