مشروع دولة الطوائف في لبنان الكبير مستمر من دون نجاح منذ العام 1920. والبحث عن التغيير أو إصلاح العطب البنيوي كان ولا يزال محاولات محكومة بأن تبقى نظرية. ولا فرق، سواء كان البحث عن حل جغرافي أكبر أو أصغر من لبنان الكبير، أو عن حلّ نظامي ضمن الحدود الدولية. فما تمناه البطريرك الياس الحويك بالقول إنه "بالنسبة اليّ لا يوجد في لبنان طوائف بل طائفة واحدة هي الطائفة اللبنانية" حدث عكسه. حتى ما تصور البعض أنه صار ممكناً في ستينات القرن الماضي، وهو مشروع بناء دولة "أرقى من الطوائف" فإنه اصطدم بمصالح أمراء الطوائف. أما الخطة المرحلية لتجاوز الطائفية وإلغاء الطائفية السياسية حسب المادة 95 من الدستور، فإنها بقيت على الورق مع الانتقال في الواقع من الطائفية إلى المذهبية. وأما التعاقب الماروني والسنّي والشيعي على الهيمنة، فإنه تمارين في الفشل المحلي ضمن اللعبة الإقليمية التي قادت إلى السطوة الفلسطينية والسورية والإسرائيلية والإيرانية على بلاد الأرز والتلاعب بها. وليس في لبنان اليوم، على الرغم من كثرة المشاريع وتنوّعها، ومع الرعاية العربية والدولية للتمسك باتفاق الطائف، سوى مشروعين يصعب جدًّا تحقيق أي منهما: مشروع الدولة ومشروع "حزب الله". الأول مشروع ما بعد الطائف، وهو الدولة المدنية الوطنية. والثاني مشروع ما قبل الطائف ولبنان الكبير وأكثر من ألف عام، وهو الدولة الدينية. فالباب الذي فتحه الطائف للانتقال إلى الدولة المدنية بعد تجاوز الطائفية وإلغاء الطائفية السياسية جرى إغلاقه عمليًّا والخروج من الباب الخلفي الذي كان يجب أن يكون مغلقًا: باب المذهبية. ولا شيئ بالصدفة. لا مع الوصاية السورية والإيرانية على لبنان. ولا مع الاحتلال الإسرائيلي الذي عاد إلى الجنوب بعد حربي إسناد غزة وإسناد إيران. ذلك أن الدولة المدنية الوطنية التي تواجه عقبات محلية كبيرة تصطدم، لا فقط بالمشاريع الإيرانية والإسرائيلية بل أيضًا بالحسابات السورية قبل نظام آل الأسد ومعه وبعده بوصول "هيئة تحرير الشام" إلى السلطة والحديث عن سوريا الجديدة. والمشروع الإقليمي الإيراني الذي هو بالطبع ولاية الفقيه يبقى بطبيعته ضد قيام أي دولة مدنية في لبنان والمنطقة. والمشروع الإقليمي الإسرائيلي هو بطبائع الأمور مشروع ديني يمارس استراتيجية "القلعة والسوق". إسرائيل هي القلعة العسكرية والعالم العربي هو السوق المفتوحة أمامها. لا فقط السوق التجارية بل أيضًا سوق الطوائف والمذاهب. وكما في إسرائيل كذلك في إيران. "القلعة " الإسرائيلية تحتاج إلى "مناطق عازلة" في لبنان وسوريا وغزة للدفاع عن الدولة العبرية. و"الرأس" الإيراني يحتاج إلى الأذرع الإيديولوجية المذهبية المسلحة التي أسسها من أجل "الدفاع المتقدم" عن الرأس. وإذا کانت تل أبيب تحتلّ الأرض، فإن الجمهورية الإسلامية تخترق المجتمعات وتمسك بجزء من الشعب. والمجال مغلق أمام قيام دولة دينية في لبنان. لكن مجرد عمل فريق لدولة دينية ضمن شبكة من الفصائل، المرتبطة بالحرس الثوري في المنطقة، يجعل العقبات أقوى أمام فكرة الدولة المدنية. والمفترض أن يكون العكس: الخوف من مشروع دولة مذهبية يحض الناس على الحماسة لمشروع الدولة المدنية. وحين تكون المصاعب كبيرة أمام دولة الطوائف بالنسبة إلى إستعادة السيادة والأرض المحتلة بالسياسة، والعقبات هائلة أمام تحرير الأرض بقوة "المقاومة الإسلامية"، فإن الحديث عن مجرد دولة يبدو سباحة في عالم افتراضي، حيث السلطة نفسها ضعيفة. و"كلنا متساوون ومختلفون" كما كان يقول هنري جيمس.