في الاقتصاد، كما في السياسة، هناك زيارات تنتهي عند باب المطار، وزيارات تبدأ فعلياً بعد إقلاع الطائرة. فما جرى خلال الأيام الماضية بين لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة يبدو أقرب إلى النوع الثاني. لم تكن زيارة الوفد الإماراتي إلى لبنان زيارة مجاملة اقتصادية، الوفد الذي ترأسه وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وضم نحو 80 مسؤولا وقائد أعمال وممثلاً لشركات إماراتية، وعُقد خلال الزيارة منتدى الأعمال الإماراتي اللبناني، كما أُطلق مجلس الأعمال الإماراتي اللبناني المشترك، ووُقعت أربع مذكرات تفاهم، والأهم أن الحديث لم يبقَ عاماً، القطاعات التي طُرحت شملت اللوجستيات والزراعة والطاقة والطيران والسياحة، إضافة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصحة والأمن الغذائي وغيرها من المجالات التي يحتاج لبنان إلى إعادة بنائها أو تطويرها، ومن الاتفاقيات الموقعة إنشاء مجلس الأعمال المشترك، واتفاق تعاون بين غرفة أبوظبي وغرفة بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى تعاون في الأمن الغذائي وأبحاث الزراعة الجافة، ومشروع تعاون يتعلق بالبيوت المحمية والحلول الزراعية والتدريب والتطوير. هذه التفاصيل مهمة لأن لبنان اعتاد خلال أزماته سماع كلمات من نوع "الدعم" و"المساعدة" و"الوقوف إلى جانبه أما هذه المرة، فالكلمات التي يجب التوقف عندها مختلفة: استثمار، شراكة، قطاع خاص، تجارة، مشاريع، فرص. والفرق بين القاموسين هو الفرق بين دولة تنتظر المساعدة ودولة تحاول أن تصبح فرصة. العلاقة الاقتصادية بين البلدين لا تبدأ من الصفر، فالتجارة غير النفطية بين الإمارات ولبنان بلغت نحو 4.2 مليارات دولار في عام 2025، بزيادة 35.6% عن عام 2024. كما كانت الإمارات، وفق بيانات أوردتها تقارير اقتصادية حديثة، أكبر مستثمر عربي مباشر في لبنان خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2016، باستثمارات بلغت نحو 7.8 مليارات دولار أي أن الحديث ليس عن اكتشاف إماراتي للسوق اللبنانية بل إنه أقرب إلى عودة. عودة إلى سوق عرفتها الإمارات سابقاً، ولكن ضمن ظروف سياسية واقتصادية جديدة وهنا تكمن أهمية اللحظة. فالمستثمر لا يضع أمواله في الذكريات، ولا يشتري أسهماً في الحنين إنه يبحث عن الربح، والاستقرار، والقانون، والفرصة ولهذا فإن زيارة الوفد الإماراتي يمكن اعتبارها أيضاً اختبار ثقة للدولة اللبنانية الجديدة. وقد وصف الرئيس جوزاف عون الزيارة بأنها رسالة أمل وثقة باستقرار لبنان ومستقبله، مشيراً في الوقت نفسه إلى الترابط بين الأمن والاستثمار. وهذه ربما أهم معادلة في الملف كله: لا استثمار كبيراً بلا دولة، ولا دولة اقتصادية من دون أمن وقضاء وقوانين ومؤسسات. هنا يجب أن نخرج من الخطاب العاطفي، الإمارات ليست جمعية خيرية، ولبنان لا يجب أن يريدها كذلك. فأفضل العلاقات بين الدول هي تلك التي تقوم على المصلحة المتبادلة. فالإمارات ترى في لبنان موقعاً جغرافياً على شرق المتوسط، قطاعاً خاصاً يتمتع رغم كل ما تعرض له بخبرة طويلة في التجارة والخدمات، ترى قطاعاً سياحياً يستطيع إذا استقرت البلاد استعادة جزء مهم من مكانته، ترى فرصاً في اللوجستيات والطاقة والطيران والزراعة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، وترى قبل ذلك كله الرأسمال البشري اللبناني. حتى الجانب الإماراتي تحدث صراحة عن أهمية الكفاءات اللبنانية، وعن نجاح اللبنانيين العاملين في الإمارات، وهنا يوجد عامل آخر أكثر براغماتية هو، من يدخل السوق مبكراً، يحصل عادة على أفضل المقاعد. First mover advantageفبعض رجال الأعمال الإماراتيين المشاركين في الزيارة تحدثوا بالفعل عن مفهوم أي أفضلية المستثمر الذي يدخل في مرحلة مبكرة قبل اكتمال التعافي، فإذا استعاد لبنان عافيته خلال السنوات المقبلة، فإن الشركات التي تدخل اليوم إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة واللوجستيات والسياحة والتكنولوجيا، قد تكون قد حجزت مواقعها قبل وصول المنافسين، إذن هي ليست معادلة الإمارات تعطي ولبنان يأخذ. بل لبنان يحتاج إلى رأس المال والخبرة والثقة، والإمارات تبحث عن الفرص والأسواق والشراكات والنفوذ الاقتصادي المشروع. وهنا تصبح العلاقة أكثر استدامة. بعد أيام فقط من زيارة الوفد الإماراتي، تحرك لبنان باتجاه الإمارات. الوفد الرسمي اللبناني الذي وصل إلى دبي ضم 24مسؤولاً برئاسة وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة، في زيارة إستمرت ثلاثة أيام، نظم برنامجها مكتب التبادل المعرفي الحكومي الإماراتي. والعنوان بالغ الأهمية، الاستفادة من الخبرة الإماراتية في تطوير الإدارة وتعزيز التعاون المباشر بين مؤسسات الدولتين، وهنا قد يكون الاستثمار الإماراتي الأهم في لبنان ليس المال بل الفكرة، لأن لبنان لا يحتاج فقط إلى من يمول مشاريعه، يحتاج إلى إعادة اختراع طريقة