تتجاوز زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر البعد الثنائي والاقتصادي، لتكشف عن مساحة متنامية للتنسيق السياسي والأمني بين بكين والقاهرة في منطقة تعصف بها الحروب والأزمات. وجاءت الزيارة، بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، في وقت يؤكد مسؤولون من الجانبين أنها تمر بواحدة من أكثر مراحلها ازدهاراً منذ تدشينها عام 1956. وظهر البعد السياسي للزيارة بوضوح في البيان المشترك الذي صدر عقب لقاء الرئيسين في قصر الاتحادية، الأربعاء، وتضمن 21 بنداً تناولت توسيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي أُطلقت عام 2014، لتشمل، إلى جانب الاقتصاد والاستثمار، مجالات السياسة والأمن والتنسيق في القضايا الدولية والإقليمية. من العلاقات الثنائية إلى ملفات المنطقة خصص البيان البنود من 14 إلى 20 للقضايا الإقليمية والدولية، مع ورود ملفات ذات أهمية استراتيجية للطرفين أيضاً في القسم المتعلق بالعلاقات الثنائية. وفي مقدمة هذه الملفات، أعرب الجانب الصيني عن إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقوق القاهرة المشروعة في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية. وفي المقابل، أكدت مصر رفض التدخل في الشؤون الداخلية للصين، ومواصلة التزام مبدأ الصين الواحدة، واعتبار تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية. وحظيت القضية الفلسطينية بمساحة خاصة في البيان، إذ وصفها الرئيسان بأنها "القضية المركزية في الشرق الأوسط"، وأكدا أهمية التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 4 حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما رفض الجانبان أي مخططات لتهجير الفلسطينيين، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، وأعربا عن القلق من التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية. فرصة للتشاور وتبادل المعلومات يقول نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية-الصينية وسفير القاهرة الأسبق لدى بكين علي الحفني لـ"النهار" إن "لقاء رئيس دولة تتمتع بوزن سياسي واقتصادي دولي كبير مثل الصين، مع رئيس دولة ذات ثقل إقليمي مثل مصر، يشكل فرصة مهمة للتشاور وتبادل المعلومات حول تطورات الأوضاع. فكلا الرئيسين لديه ما يقدمه للآخر، سواء في ما يتعلق بالحرب الطاحنة في الشرق الأوسط أو الأزمات المنتشرة في المنطقة". ويضيف الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية أن ذلك "يساعد على استمرار التنسيق القائم بين الديبلوماسيتين المصرية والصينية، ويعزز العمل، بشكل منفرد أو مشترك، للحد من تصعيد المواجهات، كتلك التي نشهدها بين الولايات المتحدة وإيران، والبحث عن تسويات سياسية للأزمات القائمة في بلدان المنطقة، ومن ضمنها لبنان". ويشير الحفني إلى أن "بكين تستخدم أدواتها الاقتصادية الضخمة ومساعداتها في مجالي إعادة الإعمار والتنمية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، التي تتلاقى مع أهداف مصر في خفض التوتر في مناطق الحروب والنزاعات". ويضيف أن تعزيز التنسيق القائم بين القاهرة وبكين "سيساعد على زيادة فاعلية جهود الجانبين الرامية إلى التوصل إلى تسويات سياسية، بدلاً من استخدام القوة في حل النزاعات". ماذا تضيف بكين إلى تحركات القاهرة؟ من جانبه، يرى نائب رئيس تحرير النسخة العربية من مجلة "الصين اليوم" الكاتب الصحافي حسين إسماعيل أن طرح الرئيس المصري ملفات القضية الفلسطينية وأزمة نهر النيل والحرب بين الولايات المتحدة وإيران في حضور رئيس دولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم وثقل سياسي دولي كبير، "يعطي وزناً إضافياً للدور المصري". ويقول إسماعيل لـ"النهار" إن أهمية ذلك تكمن في أن "الموقف المصري الذي يعكسه حديث السيسي بحضور جينبينغ لا يبدو موقفاً محلياً منفرداً، إذ يتقاطع مع مواقف دولة بحجم الصين، إلى جانب التأييد الذي ظهر في اتصالات ولقاءات مع وزراء خارجية دول عربية وإقليمية مهمة، ومساندة من الاتحاد الأوروبي وأطراف دولية وأفريقية أخرى". ويضيف أن هذا التقاطع "يجعل الجانب الأميركي ينظر بمزيد من الاعتبار إلى المساعي المصرية لخفض التصعيد في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، باعتبار أنها تتحرك في بيئة دولية أوسع". وبالنسبة إلى إسرائيل، يرى إسماعيل أنها قد لا تستجيب حالياً، في ظل الحسابات الانتخابية الداخلية وحكومة بنيامين نتنياهو، إلا أنها قد تجد نفسها أمام ضغوط أكبر بعد انتخابات الكنيست المقررة الشهر المقبل، ولا سيما إذا دفعت واشنطن باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تعمل القاهرة على تثبيته، بما يخفف معاناة الفلسطينيين ويفتح الطريق أمام حقهم في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة. تحمل