يفتح استمرار سلاح "حزب الله" واستشراء الفساد الباب أمام سيناريو تفكّك لبنان بين توسع إسرائيلي جنوباً، ونفوذ سوري بغطاء تركي في البقاع والشمال، ووصاية دولية على الوسط. وقد تدفع حرب جديدة مئات الآلاف إلى النزوح، وتوجّه ضربة كارثية لأبناء الطائفة الشيعية. قبل أعوام، شبّه وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان لبنان بـ"سفينة التايتانيك تغرق من دون أوركسترا"، ثم وصفه الموفد الأميركي توم براك بالدولة الفاشلة وحذر من عودته لـ"بلاد الشام"، وكل تلك التصريحات لم تحرك الطبقة السياسية اللبنانية لترى فيها جرس إنذار وناقوس خطر. اليوم، تبدو تلك التحذيرات أقرب إلى مصير يتقدم نحو لبنان، دولة تتآكل، وأرض قد تتوزع بين نفوذ إسرائيلي جنوباً، وامتداد سوري شمالاً وشرقاً، ووصاية دولية على ما بقي، فيما تواصل السلطة سياسة المراوغة وشراء الوقت والتلاعب على وتر ازدواجية التصريحات التي تريح المجتمع الدولي، مقابل عدم تنفيذ القرارات بهدف مراعاة الخطوط الحمراء مع "حزب الله" ومن خلفه النفوذ الإيراني. نحو عامين مرّا على بداية المرحلة الجديدة، وكان يفترض أن يكونا فرصة لاستعادة الدولة، لكن السلطة بددت جزءاً كبيراً منهما في مراعاة التوازنات وتأجيل المواجهة مع السلاح والفساد. وتصرفت كأن الدعم العربي والدولي التزام أبدي، وكأن العالم سيواصل تمويل عجزها وتفهّم أعذارها. والخطر أن يترسخ الاقتناع بأن لبنان غير قادر على حكم نفسه، وأن مؤسساته تحولت إلى واجهة لتنظيم مسلح وشبكات مصالح. من هنا، يجب النظر إلى احتمال انزلاق البلاد نحو ثلاثة أجزاء، لكل منها مرجعية خارجية وحسابات مختلفة. ففي الجنوب، من الممكن أن تمنح حرب جديدة إسرائيل فرصة لتوسيع سيطرتها وفرض واقع يتجاوز جنوب الليطاني باتجاه نهر الأولي، وتحويل الجنوب إلى "جولان جديد" خالٍ من السكان ويدخل تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. وفي سيناريو كهذا، قد يندفع نحو نصف مليون مواطن من الجنوب إلى الداخل، حاملين خسائرهم إلى مناطق منهكة أصلاً، فنزوح بهذا الحجم يعني ضغطاً على السكن والعمل والخدمات، وتوترات يستطيع تجار السياسة استثمارها. ويصبح أهل الجنوب معلقين بين أرض يُمنعون من العودة لها ودولة لا تملك وسائل احتضانهم، بينما يواصل أصحاب قرار الحرب الحديث عن الصمود من مواقع لا تشبه حياة الناس ولا معاناتهم. وفي البقاع والشمال، يُحتمل أن يفتح ضعف الدولة الباب أمام تدخل سوري تتقاطع خلفه حسابات النفوذ التركي واندفاع أنقرة في المنطقة، مما كان واضحاً على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أشار خلال خطاب له أمام مجلس النواب إلى أن "الأمن القومي التركي لا يبدأ من هاتاي إنما من بيروت". ومع انحسار سلطة بيروت، تصبح هذه المناطق امتداداً لمعادلات خارجية. أما الوسط، فقد ينتهي رقعة محاصرة بالتفاهمات، تُدار بصيغة دولية تشبه نموذج "مجلس السلام" المطروح لغزة، ويغدو المشرف عليها والياً فعلياً، مهما بقيت فيها قصور ورئاسات وألقاب. ولن يُعفي المسؤولين يومها أنهم أعلنوا تمسكهم بوحدة لبنان، فالدولة مسؤولة عن أرضها، وعن منع أي تنظيم من استخدامها لشن حرب خارج قرارها. ولا يكفي أن تقول إنها لم تُستشَر، أو إنها لا تريد التصعيد. حين تعرف بوجود قوة تحتفظ بسلاحها وقيادتها وارتباطاتها، ثم تترك لها حرية الحركة، فإنها تتحمل مسؤولية تقاعسها. ومواجهة الهجمات الإسرائيلية تبدأ أيضاً بمنع تحويل لبنان إلى جبهة تُفتح كلما احتاجت إيران إلى تخفيف الضغط عنها. وأول من يدفع ثمن هذه المعادلة أبناء الطائفة الشيعية. كلما لاحت الحرب، عاد الخوف لبيوتهم، أين يذهبون؟ ماذا يبقى من أرزاقهم؟ وهل يستطيعون العودة؟ ولا يبدّد "حزب الله" هذه الهواجس، بل يربط مصير الناس ببقاء مشروعه وسلاحه. وقد تكون حرب أخرى الضربة القاضية لقدرة هذه البيئة على التعافي والاستقرار في أرضها. الشيعة ليسوا ملكاً لتنظيم، ولا يجوز اختصار وجودهم بوظيفته العسكرية، ثم مطالبتهم بدفع ثمنها جيلاً بعد جيل. هنا تقع مسؤولية رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يُعد بالصيغة اللبنانية "ممثلاً" للشيعة، ولديه القدرة على التأثير، ويمنح تحالفه مع الحزب غطاءً لا يمكن تجاهله. عليه أن يقول بوضوح إن الحرب نيابة عن إيران مرفوضة، وإن الإقدام عليها يعني نهاية التحالف. أما انتظار الكارثة لتولّي الوساطة، فيترك قرار إشعالها بيد الحزب. وحماية الناس تحتاج إلى موقف يسبق تدمير بيوتهم، وإلى استعداد لسحب الغطاء ممن يغامر بحياتهم، ولو كلف ذلك خسارة شريك سياسي. وعلى رئيس الجمهورية والحكومة وضع خط أحمر يعرف الحزب تبعات تجاوزه، فأي تحرك عسكري خارج الشرعية يجب أن يواجه بإجراءات تنفيذية، من منعه وضبط سلاحه إلى ملاحقة المسؤولين عنه قضائياً. ولا يستقيم أن يشارك تنظيم في السلطة، ثم يحتفظ بحق تعطيلها وإدخالها في الحرب. والحديث عن السيادة يفقد معناه حين ت