ذرف الموسيقار ناهل الحلبي دموع الفرح في غرفة كواليس دار الأوبرا بدمشق؛ هي فرحة العودة الصادقة إلى هذا الصرح العريق الذي أسهم في بناء ذاكرته الفنية عمالقة كبار لم ينسَ أن يستحضر أرواحهم ويعزف مؤلفاتهم، أمثال الراحلين صلحي الوادي، ونوري الرحيباني، ونوري إسكندر. أتى ذلك ضمن حفل أوركسترالي شهدته الدار مساء الخميس الفائت تحت عنوان "سوريا لوحة من الأصوات". ولم تكن مغادرة الحلبي لدار الأوبرا في السنوات الماضية خياراً طوعياً، بل فرضته ظروف ملاحقته الأمنية؛ إذ لم يقترف ذنباً سوى أن عزف مقطوعته الموسيقية ودعا الحضور إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء سوريا، وهو ما قاده حينها للاستدعاء والتضييق. واليوم، يعود المايسترو ليقود الفرقة السيمفونية الوطنية السورية، يرسم بأنغامه ملامح الوطن الجامع ويعيد الاعتبار للقيم الجمالية والإنسانية. الرسم بالنغم: تشكيل هويّة بصرية وموسيقية لم يقتصر دور الحلبي على إدارة أكثر من خمسين عازفاً بعصاه التعبيرية وحسب، بل كان يشكّل أمام الجمهور لوحة بصرية وموسيقية متكاملة لـ"سوريا الجديدة". أطلّت معالم الوطن عبر الشاشة العملاقة خلف الأوركسترا، من قلعة دمشق ونواعير حماة إلى قلعة حلب والجزيرة السورية وكل أرجاء البلاد، لتتمازج جغرافيا المكان مع السحر النغمي. لم يكن ناهل الحلبي على المسرح مايسترو يقود الإيقاع فقط، بل كان رساماً بالصوت والرمزية، يستعيد نبض أرواحٍ طالها الصمت تحت مظالم الحرب والقنابل والأصفاد، ويعيد صياغتها في فضاء ثقافي حرّ ومفتوح. تجربة سماعية تحرّر الروح والجمهور بين جماليات الصوت وشجن اللحن، عاش الحضور لحظات استثنائية تجاوزت جدران الصرح الثقافي وقسوة السنوات الماضية. شهدت القاعة تفاعلاً وجدانياً تحرّرت فيه الأرواح من قيود المقاعد وتفاوت الأعمار والتوزّع الجغرافي، لتتآلف الأطياف السورية كافة وتحلق في فضاء الصرح على اهتزازات الأوتار ونبرات الآلات. وفي حضور لافت جمع بين الأطياف الديبلوماسية والثقافية والشعبية، اعتبر وزير الثقافة الدكتور محمد ياسين صالح في حديثه لـ"النهار" أن عودة ناهل الحلبي إلى مسرح دار الأوبرا تُعد تجسيداً لحالة التعافي الثقافي والفكري في سوريا، وخطوة رمزية لإعادة الاعتبار لكل قامة فنية هُدّدت بسبب مواقفها الإنسانية المشرفة. من جانبه، أبدى الكاتب والمفكر برهان غليون ذهوله بالإتقان الفني للحفل، مشيراً إلى أن سوريا تنبض حيوية من خلال هذا العمل، ومؤكداً حاجة المجتمع اليوم لكافة أصناف الفنون لما لها من أثر بالغ في ترميم الأواصر وإعادة ترميم وجدان المواطن. ونوّه الفنان والموسيقي جهاد عبدو بالتنوع الذي اتسمت به الصالة، مؤكداً أن هذا الانصهار يعكس رسالة مفادها أن الأرض التي صدّرت أول رقيم موسيقي في التاريخ من "أوغاريت"، ما زالت ولّادة بشعب حيّ يعزف الأمل رغم المآسي والآلام. الحوار الشرقي الأوركسترالي ودقيقة الصمت شكلت العروض المنفردة (الصولو) إحدى الركائز الجمالية الأساسية في برنامج الأمسية، حيث تناغمت الآلات الشرقية الأصيلة – البزق، والعود، والناي، والقانون – في حوارية عذبة. وكان من أبرزها معزوفة "العرس" لمحمد عثمان، التي استوحت طقوس الفرح الريفي وأجواء الاحتفالات الشعبية. وفي معزوفة "رقصة حب"، قدم كنان أدناوي على آلة العود صياغة متوازنة جمعت بين روح التخت الشرقي والتوزيع الأوركسترالي الغربي. وحظيت مقطوعة "رياح" للمؤلف يامن جذبة بحضور خاص في الريبرتوار، إذ قدمت نفحة نغمية مبتكرة كسرت الأطر التقليدية للسماع وخارج المألوف. وقبل الختام، توقفت الأمسية عند محطة وجدانية مفصلية؛ إذ أعاد المايسترو ناهل الحلبي المشهدية التي واجه بها الاستبداد قبل عقد ونصف، داعياً الجمهور وأعضاء الفرقة للوقوف دقيقة صمت تكريماً لأرواح شهداء الثورة السورية، وموجهاً تحية إجلال إلى عائلات الشهداء والمفقودين، في لفتة تجاوزت الإطار الموسيقي المجرد لتربط بين الفعل الفني والذاكرة الوطنية الجامعة. واختُتمت الليلة بمقتطفات سيمفونية من عمل "طقوس سورية"، قدّمها كورال غاردينيا بمشاركة كورال المعهد العالي للموسيقى، لتكتمل التظاهرة الفنية بأصوات واعدة تشدو بالحياة والأمل. البناء السيمفوني والتوزيع الشرقي الأوركسترالي على صعيد العزف والموسيقى، تجلّى الحفل كنموذج رصين لـ"الأوركسترا السيمفونية ذات الألوان الشرقية"؛ حيث اعتمد المايسترو ناهل الحلبي على توزيع هارموني دقيق يوفق بين صرامة التناغم الغربي والمرونة المقامية التعبيرية المشبعة بالروح السورية. لم تُعامل الآلات الشرقية مثل العود، الناي، والقانون كعناصر هامشية، بل دُمجت كـآلات صولو محورية تتنفس داخل النسيج الهارموني وتتحاور بنسيجٍ نغمي متماسك مع آلات أخرى. امتاز التوزيع الموسيقي بالذكاء في إدارة الديناميكية، وعبرت الأوركسترا بمرونة خلال اللحظات الملحمية التي تر