لا يقتصر تأثير التحولات في موازين القوى السياسية داخل الولايات المتحدة على الشأن الداخلي الأميركي، بل يمتد إلى طبيعة علاقاتها الدولية، ولا سيما مع الدول التي ترتبط معها بملفات استراتيجية وأمنية واقتصادية معقدة، وفي مقدمتها العراق. وفي هذا السياق، يثير فوز الحزب الديموقراطي في الانتخابات الأميركية تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات بين بغداد وواشنطن، وما إن كان وصول إدارة ديموقراطية إلى البيت الأبيض سيقود إلى مراجعة أولويات السياسة الأميركية تجاه العراق، أم سيحافظ على ثوابتها الاستراتيجية مع تغيير أدوات التعامل مع الملفات العالقة. وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل تشابك الملفات التي تربط البلدين، بدءاً من الوجود العسكري الأميركي والتعاون الأمني ومكافحة تنظيم داعش، مروراً بمستقبل الشراكة الدفاعية والعلاقات الاقتصادية والمالية، وملف الدولار والتحويلات المصرفية، وصولاً إلى النفوذ الإيراني في العراق والتوازنات الإقليمية. وهي ملفات تجعل أي تحول في الإدارة الأميركية موضع اهتمام مباشر لدى صانع القرار في بغداد، خصوصاً أن الحزب الديموقراطي يتبنى، في بعض جوانب سياسته الخارجية، مقاربات وأدوات تختلف عن توجهات الحزب الجمهوري. ولا يتعلق التحدي بمجرد هوية الحزب الذي سيتولى إدارة البيت الأبيض، بقدر ما يرتبط بمدى انعكاس ذلك على طبيعة التعامل الأميركي مع العراق، وقدرة بغداد على إدارة علاقاتها مع واشنطن وطهران في ظل التوازنات الداخلية والإقليمية. فهل يتجه الديموقراطيون إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة في التعامل مع الحكومة العراقية؟ أم سيواصلون استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني للحد من نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران؟ وما انعكاسات ذلك على مستقبل التعاون الأمني والوجود العسكري الأميركي، والعلاقات المالية والمصرفية بين البلدين؟ وفي هذا الإطار، يرى الديبلوماسي العراقي السابق غازي فيصل، في حديث لـ"النهار"، أن سياسة الحزب الديموقراطي تجاه العراق تقوم على إدارة التوازنات السياسية والأمنية والحفاظ على الاستقرار، من دون الذهاب إلى القطيعة مع القوى الفاعلة أو تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة. ويقول فيصل إن الديموقراطيين يركزون على دعم الحكومة المركزية ومؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية، بالتوازي مع ممارسة ضغوط متوازنة للحد من نفوذ الفصائل المسلحة، من دون اللجوء إلى مواجهات عسكرية داخل الأراضي العراقية. ويضيف أن الإدارة الديموقراطية تميل إلى تنفيذ اتفاقيات الانسحاب التدريجي وإعادة تنظيم الوجود العسكري الأميركي، بما يتيح تحويل مهامه نحو الأدوار الاستشارية والتدريبية، ضمن إطار الشراكة الثنائية بين بغداد وواشنطن. ويشير إلى أن هذا النهج يمنح الحكومة العراقية هامشاً أوسع للتحرك بين واشنطن وطهران، ويخفف من الضغوط السياسية التي تواجهها بغداد، مقارنة بالإدارات الجمهورية التي تتبنى نهجاً أكثر تصعيداً تجاه إيران والقوى المرتبطة بها. وفي ما يتعلق باحتمالات تغيّر السياسة الأميركية تجاه العراق والمنطقة عموماً، يؤكد فيصل أن الأهداف الاستراتيجية لواشنطن في الشرق الأوسط لا تتغير بتغير الإدارات، وإنما تختلف أدوات التنفيذ والتكتيكات المستخدمة لتحقيقها. ويوضح أن الديموقراطيين يميلون إلى الاعتماد على الاتفاقيات الإطارية الموقعة عام 2008، وتوسيع الاستثمار السياسي والاقتصادي، ودعم جهود مكافحة الإرهاب، بدلاً من الدخول في مواجهات مباشرة مع القوى الإقليمية على الأراضي العراقية. ويمنحون ملفات الحوكمة وحرية التعبير والإصلاح المؤسسي اهتماماً أكبر، بوصفها جزءاً من أولويات السياسة الخارجية الأميركية. عراقيون يصطفون أمام عيادة بيطرية. (أ ف ب) ويخلص فيصل إلى أن توجه واشنطن في ظل الإدارات الديموقراطية ينتقل من الردع المباشر والمواجهة الصارمة إلى الديبلوماسية الهادئة واحتواء الأزمات، بما يقلل احتمالات التصعيد العسكري المباشر، مع الإبقاء على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني. وفي المقابل، لا تنحصر المصالح الأميركية في العراق بالملفات الأمنية والسياسية، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، ولا سيما في ظل انفتاح بغداد على الشركات الأميركية وسعي واشنطن إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في البلاد. وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي، في حديث لـ"النهار"، إن الولايات المتحدة، سواء كانت تحت قيادة الجمهوريين أو الديموقراطيين، تؤمن بضرورة إقامة علاقة استراتيجية متوازنة مع العراق، مشيراً إلى أن البلاد تشهد خلال المرحلة الحالية، برئاسة علي الزيدي، انفتاحاً واضحاً على كبرى الشركات الأميركية. ويبيّن الفيلي أن واشنطن تسعى إلى ضمان مزيد من التدفقات الاستثمارية إلى الأراضي العراقية، فضلاً عن تعزيز تدفقات النفط العراقي باتجاه الولايات المتحدة. وي