رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سقف التحذير في وجه اليونان، مطالبًا أثينا بوقف تسليح الجزر ذات الوضع المنزوع السلاح، ومؤكدًا أن أنقرة لن تسمح لأحد بالمساس بحقوقها، في موقف يأتي بعد أيام من توقيع إسرائيل واليونان صفقة تسليح استراتيجية أثارت قلقًا واسعًا في أنقرة، بالتوازي مع ملفات إقليمية أخرى فتحها الرئيس التركي من الحرب الروسية - الأوكرانية إلى تحالف دفاعي مع السعودية وباكستان وبرنامجي "إف-35" و"كان". وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أطلق أردوغان تحذيرًا شديد اللهجة إلى اليونان خلال رحلة عودته من بشكيك، عاصمة قرغيزستان، حيث شارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون. وفي معرض تعليقه على التوتر المتصاعد مع الجارة الغربية، شدد أردوغان على أن النهج المعتدل الذي تتبعه بلاده يجب ألا يُفسر على أنه ضعف، وقال للصحافيين الذين رافقوه على متن الطائرة: "على اليونان أن تتراجع عن هذا الطريق الخاطئ وأن تتوقف عن تسليح الجزر ذات الوضع المنزوع السلاح". وأضاف في رسالة حملت دلالة تاريخية: "التاريخ دليل جيد جدًا لمن يعرف كيف يستخلص منه الدروس". وأشار الرئيس التركي إلى أن بلاده ترغب في أن تقوم علاقاتها مع اليونان على أساس حسن الجوار، مؤكدًا أن أنقرة تصرفت طوال الفترة الماضية بثبات وصدق وبطريقة بنّاءة، لكنه رسم في الوقت نفسه خطًا أحمر أمام أي محاولة للمساس بسيادة تركيا أو مكانتها. وقال: "تركيا لا تطمع بأرض أحد، لكنها لن تسمح لأحد بأن يدوس على حقوقها". وحذّر من أن تجاهل الاتفاقيات الدولية القائمة لن يكون في مصلحة أحد، مضيفًا: "كل من يفسّر النهج التركي الهادئ والمتزن على أنه ضعف يرتكب خطأً فادحًا". ويأتي هذا الموقف بعد توقيع إسرائيل واليونان هذا الأسبوع صفقة أسلحة استراتيجية أثارت قلقًا كبيرًا لدى جهات في أنقرة. ولم تقتصر مواقف أردوغان على التوتر مع اليونان، إذ تطرق أيضًا بصورة موسعة إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، عقب لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك. ووصف أردوغان اللقاء مع بوتين بأنه كان "مثمرًا جدًا" و"صريحًا جدًا"، مشيرًا إلى أن البحث تناول بصورة موسعة الحرب المستمرة، إلى جانب ملفات الطاقة والتجارة الثنائية والسياحة والاستثمارات المتبادلة. وأكد أن تركيا مستعدة للقيام بكل ما تستطيع لدعم مسار سلام بين موسكو وكييف. وقال أردوغان: "إنه واقع أن السلام، وليس الحرب، هو الذي سينتصر. نحن مستعدون لبذل كل جهد من أجل ذلك". وأضاف أن أيًا من الطرفين لا يرغب فعليًا في استمرار القتال، مشددًا على أن أنقرة تتطلع إلى عودة السلام إلى المنطقة في أسرع وقت ممكن. كما تناول أردوغان "تحالف مكة الدفاعي"، وهو مبادرة تجمع تركيا وباكستان والسعودية، مشيرًا إلى أن الاجتماع الأول للجنة السياسية والعسكرية الاستراتيجية للتحالف، الذي عُقد في إسطنبول، يمثّل خطوة ضرورية ومهمة نحو تفعيله بصورة كاملة. وأوضح أن وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان جيوش الدول الـ3 ناقشوا إنشاء أمانة عامة دائمة، إلى جانب التعاون في الصناعات الدفاعية والتدريبات العسكرية المشتركة وتوحيد المعايير وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن التهديدات والموارد. ورغم ردود الفعل المتباينة من دول مختلفة، شدد أردوغان على أن التحالف أُنشئ بهدف تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين، وقال: "سنواصل طريقنا أقوى معًا إلى جانب إخوتنا". وفي ما يتعلق بمشتريات الجيش التركي وتعاونه الدفاعي، سُئل أردوغان عن إمكان نقل منظومات الدفاع الجوي الروسية من طراز "إس-400" إلى دولة ثالثة، فأجاب بأنه ناقش مع بوتين مجمل القضايا الثنائية. وفي الوقت نفسه، أكد استمرار الاتصالات بشأن احتمال عودة تركيا إلى برنامج المقاتلات الشبح الأميركية "إف-35". وشدد أردوغان على أن تطوير القدرات العسكرية المستقلة لبلاده لن يتوقف، قائلاً: "نحن لا نتخلى عن مشروع المقاتلة التركية كان. ولا نتخلى عن تطوير أنظمة دفاع جوي خاصة بنا. على العكس، نحن نزيد إمكانات تركيا". وختم الرئيس التركي مواقفه بالدعوة إلى إنشاء آلية دائمة لضمان أمن الملاحة التجارية في البحر الأسود، على ألا تقتصر هذه الآلية على السفن التجارية المملوكة لتركيا أو التي ترفع العلم التركي. وحذّر من الوصول إلى وضع يصبح فيه أمن المدنيين والحركة التجارية في المنطقة عرضة للخطر، وقال: "هناك حاجة إلى آلية تضمن بصورة دائمة أمن النقل البحري التجاري في البحر الأسود". كما حذّر أردوغان من أن أزمة الحبوب العالمية بدأت بالظهور مجددًا، ولا سيما في ما يتعلق بتداعياتها على أفريقيا، داعيًا إلى تحرك سريع قبل أن تتفاقم المشكلة وتصل إلى أبعاد حرجة. وبذلك، جاءت رسالة أردوغان إلى اليونان ضمن مشهد أوسع تعيد فيه أنقرة رسم موقعها العسكري والسياسي في محيطها،