لم تعد أزمة الأمن وحدها مصدر قلق سكان بيروت. فإلى عمليات النشل والتشليح المتصاعدة، انضمت عتمة الأنفاق، بعدما قطعت مؤسسة كهرباء لبنان التغذية الكهربائية عنها بسبب عدم دفع بلدية بيروت المستحقات المالية المتراكمة عليها. وبين أزمة مالية لم تُعالج ومخاوف أمنية تتزايد، يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد، حيث تغيب الإنارة عن مرافق عامة يفترض أن تكون مؤمّنة وسالكة. مستحقات تُطفئ الأنفاقفي حديث خاص لـ«المدن»، كشف عضو مجلس بلدية بيروت المحامي محمد بالوظة أن مؤسسة كهرباء لبنان قطعت التيار الكهربائي عن جميع أنفاق العاصمة، في شطريها الشرقي والغربي، نتيجة تراكم المستحقات المالية المترتبة على البلدية. وتبلغ هذه المستحقات نحو 718 ألف دولار، وفق اللائحة المنشورة للجهات المتخلّفة عن التسديد. وأكد بالوظة أن البلدية ملتزمة بتسديد كامل مستحقاتها، وأن الملف سيُطرح على جلسة المجلس البلدي الخميس المقبل، مشدداً على أن البلدية لا تتهرب من التزاماتها المالية. وحذر من مخاطر تزايد حوادث السير جراء العتمة في الأنفاق، مطالباً بإعادة التغذية الكهربائية إلى الأنفاق ريثما تنجز البلدية تسوية المستحقات مع المؤسسة، موجهاً مناشدة مباشرة إلى رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الطاقة جو صدي للتدخل وإعادة التيار. ولا يتعلق الأمر بمبلغ عابر في حسابات البلدية، بل بفواتير متراكمة وصلت تداعياتها إلى مرافق يستخدمها آلاف المواطنين يومياً. ويطرح ذلك أسئلة حول أسباب التأخر في تسديد المستحقات، والإجراءات التي اتخذتها البلدية لتفادي قطع التغذية، فضلاً عن موعد إعادة الإنارة إلى الأنفاق. العتمة والفلتان الأمنيتأتي هذه التطورات فيما تعيش بيروت على وقع حوادث أمنية متلاحقة. وكانت «المدن» قد كشفت عن ست عمليات نشل وتشليح خلال نحو 45 دقيقة في إحدى الليالي، طالت مناطق حيوية في العاصمة، في مشهد يعكس حجم القلق الذي بات يرافق الحركة اليومية في شوارع المدينة.وفي ظل هذه الحوادث، يضيف انقطاع الإنارة عن الأنفاق عاملاً جديداً إلى مخاوف المواطنين. وحذّر بالوظة من أن استمرار الوضع قد يؤدي إلى حوادث وسقوط ضحايا، معتبراً أن المسألة لم تعد مجرد خلاف على مستحقات مالية، بل باتت تتصل مباشرة بسلامة المواطنين. فالعتمة تحرم السائقين والمارة من أحد عناصر السلامة الأساسية، وتزيد الحاجة إلى معالجة عاجلة تضمن عدم تعريضهم لمخاطر إضافية. مسؤوليات متداخلةلكن من يتحمل مسؤولية الأنفاق فعلياً؟ فليس من المؤكد أن جميع الأنفاق الواقعة في بيروت تدخل ضمن صلاحيات البلدية، إذ تتوزع مسؤولية الطرق والمنشآت العامة بين البلدية ووزارة الأشغال العامة والنقل، بحسب تصنيف كل طريق والمنشأة التابعة له. أما مؤسسة كهرباء لبنان فتتولى تأمين التغذية الكهربائية. وليست أزمة الإنارة جديدة. ففي تشرين الأول 2025، أُثير ملف انقطاع الإنارة عن نفق سليم سلام، بعدما أعلن النائب فؤاد مخزومي أن رئيس بلدية بيروت أبلغه بموافقة البلدية على شراء الفيول لتشغيل مولدات النفق. واليوم تتكرر المشكلة على خلفية مستحقات مالية متراكمة، من دون وضوح بشأن الحلول التي تضمن استمرارية الإنارة. البلدية أمام مسؤوليتهابين مستحقات متراكمة بقيمة 718 ألف دولار وأنفاق غارقة في العتمة، تجد بلدية بيروت نفسها أمام أسئلة تتجاوز تسوية الفواتير: لماذا وصلت الأزمة إلى حد قطع الكهرباء؟ ما الذي سُدّد فعلياً من المستحقات؟ وهل تنجح جلسة المجلس البلدي الخميس المقبل في وضع تسوية نهائية؟ ومتى تعود الإنارة إلى الأنفاق؟ وفي مناشدته، حذّر بالوظة من أن أي روح قد تُزهق نتيجة التقصير في معالجة الأزمة ستكون مسؤولية لا يمكن التهاون معها، داعياً إلى إعادة الكهرباء قبل وقوع حوادث. وفي عاصمة تشهد تصاعداً في المخاوف الأمنية، لا يمكن أن تبقى إنارة الأنفاق رهينة خلافات مالية وإدارية، فيما يبقى المواطن أول من يدفع ثمن غياب المعالجة.