في ظل التهديدات الأميركية المتكررة الأخيرة باحتمال عودة الحرب، بدأت إيران بالاستعدادات عبر توزيع أقراص يوديد البوتاسيوم المعروفة بأقراص اليود المضاد للإشعاع على السكان المقيمين بالقرب من منشآتها النووية. وأتت هذه الخطوة كإجراء احترازي تحسباً لاندلاع جولة جديدة في المواجهة العسكرية ومخاطر حصول تسرّب إشعاعي في حال استهداف منشآتها. وزادت المخاوف في المنطقة لاحتمال حصول كارثة نووية. فأي ضربة للمنشآت النووية في إيران لا تشكل تهديداً للبلاد فحسب، بل لكافة دول المنطقة. أيّ خطر نووي حقيقي يمكن التعرّض له في حال استهداف المفاعلات النووية؟ في الواقع، يميّز الخبراء بين الخطر المرتبط باستهداف منشآت تخصيب اليورانيوم وذاك المرتبط باستهداف المفاعلات النووية. ورغم خطورة الوضع في الحالتين، تبدو الكارثة الحقيقية في الاحتمال الثاني بما أنه في المفاعلات النووية تنشطر ذرات اليورانيوم ما ينتج مواد أكثر إشعاعاً من اليورانيوم الموجود في منشآت تخصيب اليورانيوم حيث لا يكون هناك تفاعل نووي. هذا ما يجعل الخطر المرتبط بقصف المنشآت أقل من ذاك الذي يمكن أن ينتج عن قصف المفاعلات النووية.في مثل هذه الظروف، تعود مباشرةً إلى الأذهان كارثة تشيرنوبيل في عام 1986 التي أدت إلى أسوأ تسرّب إشعاعي في التاريخ. آنذاك، انبعثت سحابة مشعّة اجتاحت أجزاءً كبيرة من الاتحاد السوفياتي وأوروبا. تسبب الانفجار آنذاك بانتشار نظائر مشعّة أثرت على ملايين الأشخاص، حتى إن المنطقة المحيطة بالمفاعل لا تزال غير صالحة للسكن. يُذكر أن غبار المواد المشعة كان قد انتشر بسبب الرياح ما أدّى إلى تلوّث إشعاعي واسع النطاق وتراوحت الآثار من الأمراض الحادة إلى ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.وكانت هذه الكارثة قد شكلت درساً قاسياً في السلامة النووية ولا تزال آثارها البيئية والإنسانية والصحية موضع دراسة ومتابعة. على الرغم من ذلك، كثر من الخبراء يرون أن الحوادث النووية التي تشكل خطراً خارج الموقع النووي نادرة، ومن النادر أن يكون هناك حادث كبير إلى درجة أن يشكل خطراً كبيراً على من هم خارج الموقع المعني.في حديثها مع "النهار"، أشارت أستاذة الكيمياء التحليلية وكيمياء الغلاف الجوي في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة نجاة عون صليبا إلى ما يمكن التعرّض له من خطر فعلي في مثل هذه الحالات. ما الإرشادات التي يمكن أن تحدّ من حجم الخطر؟ ثمة إرشادات أولية يمكن أن يلتزم بها المواطنون في الدول التي تكون عرضة للخطر المباشر وإن لم تكن تكفي وحدها:- الجلوس في مكان آمن تحت الأرض في ما يشبه القبو.- إغلاق النوافذ والأبواب جيداً تجنباً لدخول الجزيئات المشعة.- تجنب الاعتماد على التكييف في المخبأ.- اختيار الأماكن التي لا نوافذ لها.- عدم الجلوس خارجاً.- تجنّب التعرّض للهواء خارجاً.مثل هذه الإجراءات غير كافية بالمطلق وهي تُتخذ في حال عدم وجود خطر مباشر حقيقي. لكن من الناحية العلمية، لا يمكن التنبؤ بشأن المناطق أو الدول الأكثر عرضة للخطر في هذه الحالة بحسب صليبا، إذ يرتبط ذلك بحال الطقس وبحركة الرياح واتجاهاتها وسرعتها وبالأمطار أيضاً. وتحمل الرياح الجزيئات المشعة في الأجواء بعد هجوم أو انفجار في مفاعل نووي لتتحول إلى ما يشبه الغيمة من الإشعاع. أما في حال تساقط الأمطار فيسقط منها الإشعاع على الأرض. ما هي أقراص اليود التي توزع في مناطق عرضة لخطر مباشر؟ تختلف مستويات الخطر في المناطق القريبة من المنشآت النووية فيكون الخطر مباشر عندها. هذا ما يفسّر توزيع أقراص اليود أو يوديد البوتاسيوم على السكان المقيمين على مقربة من المنشآت النووية في إيران. وهذه الأقراص هي عبارة عن ملح غير عضوي يجمع بين البوتاسيوم واليود بنسبة متساوية. وهي تُستخدم في سبيل توفير الحماية من الإشعاع النووي في حالات الطوارئ النووية أو الإشعاعية لتشبع الغدة الدرقية باليود المستقر بما يمنعها من امتصاص اليود المشعّ الخطير ويقلل من خطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية.علماً بأنه في غير هذه الحالات، تُستخدم هذه الأقراص في علاج فرط نشاط الغدة الدرقية والتحضير لعمليات استئصال الغدة الدرقية وعلاج بعض حالات الانسداد الرئوي.