بعد أقل من شهر على خضوعه لجراحة لاستئصال جزء من رئته، يستعد البابا ليو الرابع عشر لخوض جولة تستمر 11 يومًا في أميركا الجنوبية، لا تقتصر تحدياتها على اختبار قدرته البدنية، بل تمتد إلى مواجهة ملفات سياسية وأمنية واقتصادية شائكة، في قارة تشهد صعودًا واسعًا لليمين الشعبوي، وتباينًا متزايدًا بين سياسات حكوماتها والتعاليم الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية. وبحسب تقرير تحليلي نشرته مجلة "ذي أتلانتيك" الأميركية، فإن زيارة البابا إلى المنطقة تضعه أمام أحد أبرز التحديات السياسية في ولايته، في ظل تبنّي عدد من الحكومات اليمينية سياسات أمنية صارمة لمواجهة الجريمة المنظمة، وما يرافقها من انتقادات تتعلق بحقوق الإنسان والحريات. وأشارت المجلة إلى أن أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تعانيان من بعض أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، الأمر الذي ساهم في تعزيز التأييد الشعبي لسياسات "القبضة الحديدية"، رغم ما تثيره من خلافات مع القيادات الكاثوليكية. وفي الأرجنتين، عارض الأساقفة قانون الرئيس خافيير مايلي القاضي بخفض سن المسؤولية الجنائية إلى 14 عامًا، إلا أن الاقتراح تحوّل إلى قانون في شباط الماضي، بعد انتشار واسع لخبر مقتل مراهق. أما في السلفادور، فأثارت سياسات الاعتقال الجماعي وحالة الطوارئ التي فرضها الرئيس نجيب بوكيلة انتقادات حادة من القيادات الكاثوليكية بسبب تجاوزات تتعلق بحقوق الإنسان، رغم نجاح هذه الإجراءات في الحد من عنف العصابات. ولفت التقرير إلى أن البابا ليس بعيدًا عن هذه التحديات، إذ سبق أن واجه، خلال عمله التبشيري في بيرو بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أعمال العنف التي مارستها جماعات يسارية مسلحة، كما قاد احتجاجات ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي رافقت حملة مكافحة الجماعات المسلحة في عهد الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري. وبحسب المجلة، يعود البابا اليوم إلى بيرو في ظل حملة أمنية مشابهة تقودها ابنة الرئيس الأسبق، الرئيسة كيكو فوجيموري، والتي منحت الجيش صلاحيات واسعة للتدخل في الأمن الداخلي. ولا تنفصل هذه التحولات عن السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، إذ يشير التقرير إلى وجود تقاطع بين توجهات واشنطن الأمنية وصعود اليمين في عدد من دول أميركا اللاتينية. ووفق مسؤولين أميركيين، انضمت 18 دولة من أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، بينها بيرو والأرجنتين، إلى مبادرة "درع الأميركتين" التي أطلقها ترامب، وهي تحالف أمني تقوده الولايات المتحدة لمكافحة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة. وتندرج المبادرة ضمن استراتيجية واشنطن الإقليمية المرتبطة بما يُعرف بـ"عقيدة مونرو"، والهادفة إلى استعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي. وفي هذا السياق، ذكّرت "ذي أتلانتيك" بأن البابا سبق أن انتقد التحركات العسكرية الأميركية قرب فنزويلا، ودخل في خلافات مع واشنطن وحلفائها بشأن سياسات الهجرة المتشددة وخطط ترحيل المهاجرين غير النظاميين. وعلى المستوى الاقتصادي، يبرز تباين آخر بين مواقف الكنيسة وسياسات عدد من الحكومات، خصوصًا في الأرجنتين، حيث يعتمد الرئيس خافيير مايلي إجراءات تقشف صارمة طالت خدمات الرعاية الاجتماعية. وتوقعت المجلة أن يستغل البابا زيارته للأرجنتين للدفاع عن مفهوم "دولة الرفاه" بوصفه حقًا عالميًا، والتشديد على حقوق العمال، في موقف يتعارض مع التوجهات الاقتصادية للحكومة الأرجنتينية. أما في أوروغواي، فتختلف طبيعة التحديات، إذ تتمتع البلاد بحكومة تميل إلى اليسار ونظام رعاية اجتماعية متماسك، وهو ما قد يحظى بإشادة البابا، غير أن طابعها العلماني يطرح خلافًا من نوع آخر مع الفاتيكان. وأوضحت المجلة أن إقرار أوروغواي قانونًا يجيز "الموت الرحيم" يضع البابا أمام ملف حساس، في ظل الرفض السابق والحازم للفاتيكان لهذه الممارسة. ورغم هذه التباينات السياسية والأمنية والاجتماعية، نقلت "ذي أتلانتيك" عن مراقبين ترجيحهم أن يتجنب البابا الدخول في مواجهات مباشرة مع قادة المنطقة، وأن يعتمد خطابًا تصالحيًا ينسجم مع شعار "الوحدة" الذي اختاره لولايته. وبحسب التقرير، سيحاول البابا توظيف مكانته ومصداقيته للدعوة إلى تخفيف الاستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي تشهده أميركا اللاتينية، في جولة تجمع بين الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والسعي إلى تعزيز الحوار وسط الانقسامات التي تعيشها القارة.