لم تكن واقعة احتجاز القوات الإسرائيلية للمصور الصحافي الفلسطيني مصعب شاور، أثناء توثيقه مستجدات الاعتداءات في بلدة بيت عوا غرب الخليل، الجمعة، حادثة عابرة في مسيرته المهنية، بل حلقة جديدة في سجل من الانتهاكات التي تعرض لها، وشهدها إلى جانب زملائه في الميدان، حيث تتعدد أشكال التضييق على الصحافيين الفلسطينيين، من الاحتجاز والاعتداء إلى المنع من التغطية في بيئة عمل لا تقتصر مخاطرها على ما يوثقونه بعدساتهم، بل تمتد إلى سلامتهم الشخصية وحقهم في الوصول إلى الميدان ونقل ما يجري على الأرض. وروى المصور الصحافي مصعب شاور لـ"المدن" تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له. وقال أنه وصل إلى البلدة جنوبي الضفة الغربية لتوثيق تدمير القوات الإسرائيلية أكثر من 30 شجرة زيتون معمرة، بعدما انسحبت القوات من المكان قبيل وصوله. وأثناء تصويره آثار الاعتداء، باغته مستوطن قدم من بؤرة استيطانية قريبة، واتهمه بأنه "يتسبب بمشاكل هنا"، قبل أن يحاول الاستيلاء على كاميراته وهاتفه النقال، بذريعة الاطلاع على ما وثقه من صور. لكن شاور رفض تسليم معداته، مؤكداً للمستوطن أنه لا يملك سلطة لمصادرتها، وأنه يمارس عمله الصحافي، ما قوبل بمزيد من الاعتداء، حيث انهال المستوطن عليه بالضرب، وألقى الحجارة باتجاه وجهه، متسبباً له بخدوش ورضوض. وأضاف شاور لـ"المدن" أن اعتداء المستوطن استمر نحو 15 دقيقة، قبل أن يستدعي القوات الإسرائيلية إلى المكان، لتواصل بدورها الاعتداء عليه. وأوضح أن الجنود أجروا تحقيقاً ميدانياً معه، وسألوه: "ماذا تفعل هنا؟ وهل لديك تصريح؟". وعندما أجاب بأنه لا يحمل تصريحاً، لأنه صحافي ويمارس عمله، جاءه الرد من الجنود متطابقاً مع اتهام المستوطن: "أنت تتسبب بمشاكل". وبعد هذا الحوار، اعتقلت القوات الإسرائيلية شاور، مكبل اليدين ومعصوب العينين، واستولت على كاميراته ومعداته الصحافية وهاتفه النقال. وقال لـ"المدن" أنه لم يتمكن من معرفة طبيعة المكان الذي اقتيد إليه واحتجز فيه ست ساعات، من الثالثة والنصف عصراً حتى التاسعة والنصف ليلاً، بسبب تقييد يديه وتغطية عينيه، إضافة إلى برودة الطقس. لكنه رجح، استناداً إلى الأصوات التي كان يسمعها، أن يكون المكان قاعدة عسكرية. ولم ينته الأمر عند الاحتجاز، بل نقل الجنود شاور في مركبة عسكرية، وتناوبوا خلال الرحلة على إهانته وشد شعره وضربه، في مشهد وصفه بأنه أشبه بـ"لعبة تسلية" للجنود. وبعد مسافة قصيرة، أنزلوه من المركبة وأجلسوه على الأرض الموحلة، قبل أن يفكوا القيود عن يديه. وحين تمكن من إزالة القماشة التي غطت عينيه، اكتشف أنهم أعادوه إلى محيط المكان الذي احتجز فيه، في أراضي بلدة بيت عوا غرب الخليل. وهناك، ألقوا كاميراته وهاتفه إلى جانبه، وصرخوا في وجهه مطالبين إياه بمغادرة المكان، وسط سيل من الشتائم والإهانات. زلا تقتصر الانتهاكات التي تعرض لها شاور على واقعة بيت عوا، فمنذ هجوم حركة "حماس" الذي أشعل حرب غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، واجه سلسلة من الاعتداءات والإصابات والاعتقالات أثناء ممارسة عمله الصحافي. فقبل نحو 3 أعوام، أصيب بشظايا رصاص قوات إسرائيلية، قبل أن يحطموا كاميراته ويعتدوا عليه بالضرب بعد أيام. كما تعرض العام الماضي لاعتداء أدى إلى إصابته بثلاثة كسور في الأنف، إضافة إلى رضوض في الرأس ومناطق متفرقة من جسده، في اعتداءات ارتبطت بتغطيته الميدانية. ورأى شاور أن الاعتداءات تستهدف ترهيب الصحافيين ودفعهم إلى التراجع عن توثيق اعتداءات الجنود والمستوطنين. وربط تصاعد العنف بحق الصحافيين بتغطيتهم عمليات تدمير أشجار الزيتون وحرقها وتجريفها، وما يرافق موسم قطف الزيتون من اعتداءات تزيد من معاناة الفلسطينيين. وقال أن إسرائيل لا تريد للكاميرا أن تنقل ما يجري، ولا للصورة أن تحفظ تفاصيل ما يتعرض له الفلسطينيون على الأرض. وبدا شاور محبطاً من دور المؤسسات الدولية والحقوقية في الحد من الانتهاكات المتصاعدة بحق الصحافيين الفلسطينيين، مشيراً إلى أن توثيق هذه الانتهاكات وتقديم الشكاوى بشأنها لم يفضيا، حتى الآن، إلى أي نتائج ملموسة. وتابع: "كأن دور المؤسسات الحقوقية يبدأ وينتهي عند الاستماع إلى إفاداتنا!". ويبلغ مصعب شاور 36 عاماً، ويعمل مصوراً صحافياً منذ تاعام 2009، بعدما بدأ تجربته المهنية في الإذاعات المحلية بمدينة الخليل، قبل انتقاله إلى العمل مع مواقع ووكالات صحافية. وقال لـ"المدن" أنه يعمل مصوراً حراً لصالح وكالات محلية ودولية، وانتشرت له صور وثقت اعتداءات جنود إسرائيليين ومستوطنين بحق الفلسطينيين. وربما يكون ذلك أحد أسباب استهدافه في حين يتحمل شاور شخصياً الأضرار التي تتعرض لها معداته الصحافية في ظل غياب الحماية والتعويض. إلى ذلك، قال نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين عمر نزال لـ"المدن" أن الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين ازدادت حدة خ