مع استمرار أزمة الودائع المصرفية وتعثر الحلول السياسية والقضائية لاستعادة أموال اللبنانيين، تتجدد الأسئلة حول مسؤولية المنظومة السياسية والمصرفية عن الانهيار، ودور الأحزاب اللبنانية في تعطيل محاسبة المتورطين، في وقت لا يزال فيه المودعون عاجزين عن استرداد حقوقهم، وسط أوضاع معيشية ومالية مأساوية. وفي هذا السياق، يضع رئيس رابطة المودعين في المصارف اللبنانية، المحامي حنا بيطار، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، ما يحصل في لبنان في إطار جريمة وطنية كبرى، معتبراً أن قضية الودائع لا يمكن اختزالها بمشكلة مالية تخص أصحاب الحسابات، بل هي قضية تمس مصير الوطن والاقتصاد والمجتمع اللبناني برمته. واستهل بيطار حديثه بالإشارة إلى تجربة الباراغواي، حيث جرى التعامل مع قضية حبس أموال المودعين في أحد المصارف، وكيف تدخلت السلطات لمحاسبة المتورطين، وصولاً إلى إزاحة الرئيس على خلفية تورطه في القضية، والبدء بإعادة دفع أموال المودعين، ومحاسبة المسؤولين عن الاستيلاء عليها. وفي المقابل، رأى أن المشهد اللبناني مختلف تماماً، إذ إن السياسيين والأحزاب يتعاملون مع قضية المودعين بطريقة مختلفة، فيما يجد هؤلاء أنفسهم، للأسف، أسرى القبضة الحزبية والسياسية، واتهم الأحزاب اللبنانية، سواء المصنفة ضمن القوى السيادية أو قوى الممانعة، بالتورط في سرقة أموال المودعين، مؤكداً أن مواقفها قد تختلف وتتباين في الظاهر، لكنها تلتقي عند مسؤوليتها عن هذه الجريمة، مشدداً على أن التدخل في الجرم هو جرم بحد ذاته. واعتبر بيطار أن المشكلة الأساسية تكمن في عجز المودعين عن التحرك بصورة مستقلة، إذ إن الناس، حتى المحايدين منهم، لا ينزلون إلى الشارع إلا عندما يطلب منهم زعيمهم ذلك، وقال، بكل صراحة وضمير مرتاح، إن الأحزاب اللبنانية ساهمت مساهمة فعالة، وشاركت في عملية نهب أموال المودعين عبر المصارف، متسائلاً كيف يمكن للمودعين مواجهة منظومة سياسية متورطة في القضية التي يطالبون بمحاسبتها. وأوضح أن المودعين الذين يتحركون اليوم هم، إلى حد كبير، أشخاص تحرروا من القبضة السياسية والحزبية، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود مودعين في المناطق يعانون أوضاعاً مأساوية، ولا تسمح لهم إمكاناتهم المالية بالمشاركة في التحركات، وأضاف أن الرابطة لا تمتلك بدورها الإمكانات المالية التي تخوّلها تأمين وسائل النقل للمودعين، كما حصل خلال تحركات 17 تشرين الأول 2019، عندما كانت تُؤمّن وسائل النقل والمستلزمات اللازمة لمشاركة المحتجين. وشدد على أن المودعين يواجهون منظومة قوية ومتماسكة جداً، رغم الاختلافات الظاهرية بين مكوناتها، سواء بين من يرفع شعار السيادة أو الممانعة، أو من يتخذ مواقف متباينة من الولايات المتحدة وولاية الفقيه وغيرها من العناوين السياسية، معتبراً أن هذه الخلافات لا تلغي وجود تفاهم عميق بينها على نهب البلد، ولا سيما سرقة أموال المودعين. وفي ما يتعلق بإمكانية إحالة قضية أموال المودعين إلى المجلس العدلي،كما يدعو، أكد بيطار أن الرابطة ستطرح هذا الملف بصورة علمية وقانونية جدية، رغم إدراكها أن هذا التوجه قد لا يحظى بالموافقة، مشدداً على قناعتها بأن ما حصل يشكل جريمة وطنية كبرى بحق الوطن، وليس مجرد جريمة بحق مودع أودع أمواله في أحد المصارف ثم حُرم منها. ولفت إلى أن القضايا التي تستوجب إحالتها إلى المجلس العدلي هي تلك التي تؤثر في مصير الوطن والشعب، معتبراً أن قضية الودائع من أبرز القضايا التي انعكست ولا تزال تنعكس على الواقع الاقتصادي والمعيشي وعلى قدرة اللبنانيين على البقاء في أرضهم. وضرب بيطار مثالاً بالمغترب الذي سُرقت أمواله في المصارف اللبنانية، مؤكداً أنه لن يعود إلى لبنان، ولن يشجع أبناءه على العودة إليه، في حين أن المقيم الذي خسر أمواله بات يفكر في مغادرة البلد، ويحضّر حقائب أولاده وثيابهم، ويقول لهم إن هذا وطن لم يعد صالحاً للعيش فيه. وأكد أن هذه التداعيات تجعل من قضية المودعين جريمة تتجاوز الأفراد لتطال مصير لبنان ككيان ووطن، مشدداً على أن وصفها بالجريمة الوطنية ليس كلاماً شعبوياً أو عاطفياً، بل يستند إلى معطيات علمية ورقمية وقانونية. وفي سياق متصل، ربط بيطار بين تهريب الأموال إلى الخارج والانهيار النقدي الذي شهده لبنان، مشيراً إلى أن المنظومة السياسية والمصرفية أخرجت من الأسواق المالية اللبنانية، قبل 17 تشرين الأول وبعده، أكثر من 52 مليار دولار. وأوضح أن خروج هذا الحجم من الأموال أدى إلى نقص كبير في السيولة بالدولار داخل السوق، ما ساهم في ارتفاع سعر صرفه، مستشهداً بمثال اقتصادي مبسط مفاده أن أي سلعة أو مادة يزداد الطلب عليها فيما تتراجع كميتها المتاحة في السوق، يرتفع سعرها بصورة تلقائية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالدولار الأميركي الذي يشكل عنصراً أساسياً في الدورة الاقتصادية اللبنانية؟ وأضاف أن ا