أثار غياب فرنسا عن البيان المشترك الذي أصدرته خمس سفارات أجنبية في بيروت بشأن ملف متفجرات ضهر البيدر تساؤلات عن وجود تباين بين باريس وواشنطن في مقاربة الملفات اللبنانية الحساسة، ولا سيما تلك المرتبطة بسلاح حزب الله واستقلالية القضاء وحدود التدخل الدبلوماسي في الشؤون الداخلية. وفي تقرير نشرته صحيفة "لوريان لو جور" الفرنسية، اليوم السبت، كشفت الصحافية يارا أبي عقل أن باريس امتنعت عن الانضمام إلى البيان الذي بادرت إليه الولايات المتحدة، وسط مؤشرات إلى أن الجانب الفرنسي اعتبر صياغته غير حذرة بما يكفي، وربما تنطوي على تدخل في ملف داخلي لبناني. وكانت سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا واليابان قد أصدرت بياناً مشتركاً، الخميس، دعت فيه إلى إجراء تحقيق قضائي سريع ومستقل وبعيد عن التدخلات السياسية في قضية المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر، كما جددت دعمها لحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وحق المؤسسات الدستورية وحدها في اتخاذ قرارات الحرب والسلم. غير أن اللافت لم يكن مضمون البيان وحده، بل غياب التوقيع الفرنسي عنه، رغم أن باريس تتقاطع، من حيث المبدأ، مع الدول الخمس في دعم سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. وبحسب الصحيفة، يبدو أن التحفظ الفرنسي يتعلق بطريقة التعامل مع الملف وتوقيت التدخل فيه، أكثر مما يتعلق بالأهداف المعلنة. فباريس، على غرار عواصم أوروبية أخرى، فضّلت على ما يبدو اعتماد مقاربة أكثر حذراً، في ظل الحساسية السياسية والقضائية المحيطة بالقضية. وفي المقابل، امتنعت السفارة الفرنسية في بيروت عن التعليق رسمياً على الجدل، ما يعني أن الأسباب الدقيقة لعدم توقيع باريس لم تُحسم بموقف فرنسي معلن، وأن الحديث عن خلاف مباشر مع واشنطن لا يزال في إطار التفسيرات والتحليلات الدبلوماسية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى أن بيان السفارات الخمس لم يقتصر على المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن نقل المتفجرات، بل تجاوز ذلك إلى التأكيد على حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، في موقف يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز المسار القضائي للقضية. ويأتي هذا التطور بعدما شهد ملف ضهر البيدر إجراءات قضائية جديدة، أبرزها إصدار مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق علي الكردي وهيثم أمهز، في إطار التحقيق في نقل المتفجرات، بالتزامن مع استمرار السجال بشأن إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وكان حزب الله قد اعترض على البيان الدبلوماسي، إذ اعتبر النائب علي عمار أنه يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، بينما شددت الدول الموقعة على ضرورة حماية التحقيق من التدخلات السياسية وضمان تحديد المسؤوليات. وبين هذين الموقفين، يبرز السؤال عن طبيعة المقاربة الفرنسية: هل ترى باريس أن الضغط العلني قد يزيد الانقسام الداخلي ويعقّد عمل المؤسسات اللبنانية، أم أن غياب توقيعها يعكس تحفظاً على صياغة البيان تحديداً، من دون أن يعني اختلافاً جوهرياً مع واشنطن؟ حتى الآن، لا توجد معطيات رسمية تسمح بالجزم بوجود خلاف أميركي–فرنسي بشأن لبنان. لكن ما كشفته "لوريان لو جور" يسلط الضوء على احتمال اختلاف الأساليب الدبلوماسية بين دولتين تتفقان على الأهداف المعلنة، من دون أن تتبنيا بالضرورة الأدوات نفسها لتحقيقها. وهنا تكمن دلالة الغياب الفرنسي. فبين واشنطن التي اختارت توجيه رسالة علنية حازمة، وباريس التي فضّلت عدم الانضمام إليها، يطرح ملف ضهر البيدر سؤالاً يتجاوز قضية المتفجرات نفسها: هل تستطيع العواصم الداعمة للدولة اللبنانية الحفاظ على موقف موحد بشأن سيادتها، فيما تختلف على حدود الضغط الذي ينبغي ممارسته على مؤسساتها؟