سوف أبدأ بما ينبغي أن يُقال أولاً: مؤلف هذا الكتاب صديقي، وأنا لا أدّعي حياداً لا أملكه. غير أن الصداقة لا تعفي القارئ من أمانة القراءة، وقد قرأتُ في الكتاب (448 صفحة) قراءةً تُنصف صاحبه، وأحسبني خرجتُ منه بانطباع لا تصنعه المجاملة: نحن أمام كتاب جادّ، كُتب بحرارة الشاهد وانضباط المشتغل بالتاريخ، وفيه من الأسئلة ما يستحق أن يُناقَش طويلاً. ينفي المؤلف في مقدمته أن يكون قد كتب تاريخاً متصلاً لسوريا، ويوضح أن الكتاب يقف عند «لحظات» بعينها، وأن فرضيته ليست خطاً مستقيماً يصل الملك فيصل بأحمد الشرع، ولا تشابهاً بين الرجلين. وقد نشأت فصوله، كما يخبرنا، من سلسلة مقالات كتبها بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024. وهذا الأصل الصحافي يفسّر نبرة الكتاب القريبة من القارئ، ويفسّر كذلك قدرته على الإمساك بالحدث وهو لم يبرد بعد. والسؤال الذي يضعه المؤلف في الصفحة الحادية عشرة هو مفتاح الكتاب كله: «ليس السؤال، إذاً، من هو الرجل الذي يحكم دمشق؟ بل ماذا يحدث لكل من يصل إليها؟ وهل يصنع الحاكم الدولة التي يريدها، أم تصنع الدولة، بتاريخها ومجتمعها وجغرافيتها وتعقيداتها، الحاكم الذي تستطيع احتماله؟». إنه سؤال ينقل النقاش السوري من تقليب الأشخاص إلى مساءلة البنية، وهذه في ظني أثمن ما في الكتاب. فكم من كتابٍ عن سوريا انشغل بسيرة الحاكم وأهمل المجتمع الذي حكمه! والكتاب مبنيّ على سبعة أسئلة كبرى: الشرعية، والدولة، والحُكم، والمركز والأطراف، والخارج، والقوة في علاقتها بالسياسة، والتحولات الفكرية. وهي أسئلة تصلح لأن تُطرح على أي دولة حديثة، لا على سوريا وحدها، وهذا ما يمنح الكتاب أفقاً يتجاوز مناسبته. ابتداء الدولة: فيصل ودمشق وبغداد يفتتح الفصل الأول «اختراع الدولة» (ص 13–52) بما قبل فيصل: المجلس العمومي العثماني وانتخاباته، والبروتوكول الدمشقي وسؤال الخلافة، ثم لقاء فيصل وكليمنصو، وأعمال المؤتمر السوري الأول ودستور 1920، فمعركة ميسلون. ويتوقف عند سجال رشيد رضا في الدين والدولة (ص 38–40)، وعند الأحزاب وبدايات الحياة السياسية (ص 42–43). والمؤلف في هذا كله لا يكتفي بالسرد، فهو يعرف كيف يقتنص العبارة التي تختزل مرحلة. وأجمل ما في الفصل المقارنة بين دمشق وبغداد، التي يختمها بعبارة من أحسن ما في الكتاب: «في دمشق تعلّم فيصل كيف تُفقَد الدولة، وفي بغداد تعلّم كيف تُبنى الدولة تحت القيود» (ص 52). وفي الفصل نفسه ملاحظة تعود في الكتاب مراراً، وسيتبيّن القارئ لاحقاً أنها خيط ناظم: «الدولة الضعيفة سياسياً قد يصبح جيشها أقوى منها» (ص 51). وبهذه الجملة تتهيأ العدّة لفهم ما جاء بعد قرن: انقلابات، وجيوش تتغوّل، ومجتمع يُنتزع منه القرار. ثم يمضي الفصل الثاني «استقلال لم يكتمل» (ص 53–122) من الثورة السورية الكبرى عام 1925 إلى معاهدة 1936 والكتلة الوطنية، فاغتيال عبد الرحمن الشهبندر عام 1940، فولادة حزب البعث (ص 120–122). وفيه صفحات نافعة عن تقسيم الفرنسيين البلاد إلى دويلات (ص 57)، وعن سلطان باشا الأطرش والشهبندر (ص 60–64)، وعن الآثار الاقتصادية للثورة (ص 65). وما يلفت أن المؤلف يقرأ الاستقلال بوصفه مساراً غير مكتمل، لا بوصفه حدثاً وقع فانتهى، وهي قراءة تُحسب له. من الجيش إلى الرئيس، ومن الرئيس إلى المجتمع تتتابع الفصول بعد ذلك على ما يعرفه المهتم: «دولة أضعف من جيشها» (من ص 123)، و«اضمحلال الدولة» (من ص 171)، ثم «دولة الرئيس لا دولة الشعب» (ص 239–278) الذي يعرض التصفيات داخل حزب البعث والصراع بين صلاح جديد والأسد، وحرب 1973، واغتيال كمال جنبلاط، ومجزرة تدمر عام 1980 والقانون 49. وفي هذه الصفحات يضبط المؤلف إيقاع السرد بحيث لا تتحول الوقائع الكثيرة إلى كتلة ثقيلة. بيد أن الفصل السادس «توريث الدولة وانفجار المجتمع» (ص 279–312) هو عندي من أقوى فصول الكتاب. فهو ينتقل من تاريخ السلطة إلى تاريخ ما فعلته السلطة بالمجتمع. تحت عناوين مثل «نهاية التاريخ السوري» (ص 281)، و«مجتمع بلا نخبة» (ص 282)، و«الفساد كنظرية وجود» (ص 283)، و«من ينتج النخبة؟» (ص 295)، يصوغ المؤلف تشخيصاً لا يخلو من القسوة ولا من الإنصاف. وفي الفصل مقطع يستند إلى مقالة كتبها هو نفسه في «النهار» عام 2002، فيرينا كيف كان القلق من هذا المآل حاضراً قبل الثورة بسنوات، ثم ينتهي الفصل بـ «الثورة – ربيع العقول» (ص 298) في استحضار شخصي لدمشق المحفورة في ذاكرته. العودة إلى دمشق: الشاهد والمؤرخ أما الفصل السابع «العودة إلى دمشق» (ص 313–368) فهو الفصل الذي يمنح الكتاب خصوصيته. يفتتحه المؤلف باعتراف قلّما يجرؤ عليه المؤرخون: لقد اعتزل المشاركة في البرامج التلفزيونية، ثم طُلب منه أن يتحدث عن معركة «ردع العدوان» وهو لا يملك معلومات ميدانية. فماذا فعل؟ أجاب بما يملكه، وهو التحليل: «الأطفال الذين