بين ركام المنازل المدمرة وخيام النازحين، سارت عشرات السيارات المزينة بالورود والشرائط الحمراء والأعلام الفلسطينية على الطريق الساحلي بمدينة غزة، ضمن موكب زفاف جماعي، ظهر من إحدى سياراته عريس يلوح بيده فرحاً، فيما امتدت خلفه سيارات تقل عرساناً آخرين باتجاه شاطئ البحر. وعند النادي البحري المطل على الشاطئ، حيث أقيم الاحتفال، الجمعة، اجتمع 250 عريساً ببذلاتهم الرسمية مع 250 عروساً ارتدين أثواباً بيضاء مزينة بالتطريز الفلسطيني الملون، وأغطية رأس تتدلى منها زينة ذهبية اللون، فيما غطت بعضهن وجوههن بأوشحة مطرزة، وحملت أخريات باقات من الورود، حسبما نقلت وكالة "الأناضول". وجلست السيدات جنباً إلى جنب وسط حضور عائلاتهن، بينما انشغلت إحداهن بتعديل زينتها التراثية، في مشهد احتفالي أقيم وسط آثار الدمار والنزوح اللذين خلفتهما الحرب في غزة التي بدأت بهجوم حركة "حماس" غير المسبوق على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأقيم العرس الجماعي تحت اسم "ثوب الفرح 3"، بمشاركة 500 عريس وعروس، فقد بعضهم منازلهم وأفراداً من أسرهم خلال الحرب، فيما يستعد آخرون لبدء حياتهم الزوجية داخل خيام، لعدم امتلاكهم مساكن بديلة. ونظمت الحفلة لجنة إسناد عملية "الفارس الشهم 3" الإماراتية، بدعم من مؤسسة "صقر بن محمد القاسمي" للأعمال الخيرية والإنسانية، بهدف مساعدة الشباب الفلسطينيين على الزواج في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يشهدها القطاع. ومن بين المشاركين في العرس، الشاب الفلسطيني سائد النجار، من مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، الذي دمر القصف الإسرائيلي منزل عائلته، واضطر إلى الإقامة في خيمة قرب "الخط الأصفر"، الذي يفصل المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي عن بقية مناطق القطاع. ورغم فقدانه منزله، احتفل النجار بزفافه بعدما اختير عبر قرعة أجرتها اللجنة المنظمة للمبادرة. وقال النجار: "هذه الفرحة لا تخص عريساً أو 250 عريساً، بل هي فرحة أهل غزة كلها". وأوضح أن كثيراً من الفلسطينيين فقدوا منازلهم جراء القصف الإسرائيلي، وأصبحوا يعيشون في خيام بعدما دمرت بيوتهم. ولم تكن خسارة المنازل وحدها ما رافق العرسان في يوم زفافهم، بل شارك الفلسطيني منير التتري، من مدينة غزة، في الاحتفال رغم فقدانه والدته وعدداً من أفراد أسرته خلال الحرب. وكان التتري، الذي دمر الجيش الإسرائيلي منزل عائلته، يتمنى حضور والدته هذه المناسبة، وقال: "رغم الحصار والحرب على غزة، سنفرح ونعيد الأمل إلى قلوبنا. كان لدينا بيت قبل الحرب، واليوم دمر هذا البيت بسبب الحرب، وليس ذلك فحسب، بل فقدت أمي أيضاً، وكنت أتمنى أن تكون معي في هذا اليوم". أما العريس محمد قويدر، فسيبدأ حياته الزوجية داخل خيمة، بعدما فقد منزله خلال الحرب، ولم يعد يملك المال الكافي لتأمين مسكن بديل. وقال أن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة جعلا الزواج أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشباب الفلسطينيين. وعن المكان الذي سيقيم فيه مع عروسه بعد الزفاف، قال: "سنعيش في خيمة". وأضاف أن المبادرة أتاحت له ولـ249 عريساً آخرين فرصة الاحتفال بزفافهم، وساعدتهم على بدء حياتهم الزوجية رغم الظروف الصعبة. وشهدت مبادرة "ثوب الفرح 3" إقبالاً واسعاً، حيث بلغ عدد المسجلين للمشاركة فيها 11 ألفاً و622 شخصاً، وفق البيانات المعلنة. وبعد مراحل التسجيل والتدقيق، استوفى 1335 متقدماً المعايير المطلوبة، ودخلوا القرعة النهائية التي أسفرت عن اختيار 250 عريساً، شاركوا في الاحتفال إلى جانب 250 عروساً. وقال رئيس لجنة إسناد عملية "الفارس الشهم 3"، محمد إربيع، أن زفاف 500 عريس وعروس يمثل "مشهداً إنسانياً يجسد إرادة الحياة رغم سنوات الحرب والمعاناة". وأوضح أن المبادرة تحمل رسالة أمل، وتندرج ضمن الجهود الرامية إلى مساعدة الشباب الفلسطينيين على تأسيس أسرهم.