لم تتوقع سلمى أن يتحول زواجها من رجل غير سوري إلى مصدر معاناة لأسرتها، حتى أصيب ابنها بسرطان الدم، ووجدت نفسها عاجزة عن إدخاله إلى أحد المستشفيات الحكومية لتلقي العلاج، قبل أن تتمكن من ذلك بعد وساطات وتدخلات شخصية، وسط لوم من عائلتها حمّلها مسؤولية ما حدث بسبب زواجها من غير سوري. كانت سلمى واحدة من النساء اللواتي تناولت قصصهن في تحقيق نشرته مجلة "أسود وأبيض" السورية عام 2002، حين كانت معاناة السوريات المتزوجات من أجانب، وأبنائهن الذين لا يستطيعون اكتساب جنسية أمهاتهم، تكشف وجهاً من التمييز القانوني الذي تتجاوز آثاره الأوراق الرسمية إلى تفاصيل الحياة اليومية. فكثير من هؤلاء الأبناء تبدأ معاناتهم بصورة واضحة عند بلوغ سن الالتحاق بالمدرسة، مع ما قد يرافق التسجيل من صعوبات تتعلق بالوثائق والوضع القانوني. ولا تنتهي المشكلات عند إتمام الدراسة، إذ يخضع الأبناء الذين لا يحملون الجنسية السورية لأنظمة تشغيل غير السوريين، بما تفرضه من شروط وتصاريح وإجراءات تختلف بحسب الجنسية وطبيعة العمل. وتزداد الصعوبات عند الرغبة في ممارسة بعض المهن المنظمة بقوانين ونقابات مهنية، مثل المحاماة والطب، حيث يرتبط الترخيص أو الانتساب بشروط تتعلق بالجنسية أو المعاملة بالمثل، وفق أحكام كل مهنة، وحتى عندما يتمكن غير السوري من استيفاء شروط الانتساب، قد لا يتمتع بجميع المزايا المهنية والاجتماعية المقررة للأعضاء السوريين، تبعاً للأنظمة المعمول بها. أما التملك والإرث، فكانا من أكثر المسائل التي أثارت قلق الأسر، فقد دفعت القيود المفروضة على تملك العرب والأجانب بعض العائلات إلى تسجيل ممتلكاتها باسم الأم السورية، لتظهر مشكلة جديدة عند وفاتها وانتقال العقارات إلى أبنائها غير السوريين. وكانت التشريعات السابقة تفرض قيوداً مشددة على انتقال الملكية، قبل أن تتغير بعض أحكامها بموجب القانون رقم 11 لعام 2011 وتعديله بالقانون رقم 12 لعام 2021، الذي نظم تملك غير السوريين للعقارات وانتقالها بالإرث، مع تحديد مهلة ثلاث سنوات للتصرف بالعقار في حالات معينة لا تتوافر فيها شروط الاحتفاظ بملكيته. وبين الدراسة والعمل والمهنة والإرث، وجدت أسر كثيرة نفسها في دوامة من الإجراءات والمشكلات، لا بسبب غياب صلتها بسورية، بل لأن القانون لا يمنح الأم الحق نفسه الذي يتمتع به الأب في نقل الجنسية إلى أبنائه. كانت هذه المآسي سبباً في انخراطي، إلى جانب عدد من الصحفيين والناشطات، في الجهود المطالبة بتعديل قانون الجنسية السوري، وخلال عملي في مجلة "أسود وأبيض" عام 2002، واظبنا على إثارة القضية والتنسيق مع جمعيات أهلية والاتحاد النسائي وأعضاء في مجلس الشعب، سعياً إلى إصدار تعديل يسمح للمرأة السورية بمنح جنسيتها لأبنائها من زوج غير سوري. لكن مطالباتنا لم تمر بعيداً عن الأجهزة الأمنية، ففي إحدى المرات، طلبت منا جهة أمنية التوقف عن إثارة القضية، و المبررات جاهزة: الأكراد المحرومون من الجنسية، واللاجئون الفلسطينيون وضرورة ضمان حقهم في العودة، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي. هذه المبررات الكبرى اغلقت النقاش، أو على الأقل لفرض قيود ثقيلة على استمراره، في وقت كان مجرد الاقتراب من الملفات المرتبطة بالجنسية والهوية والسكان يثير حساسية سياسية وأمنية شديدة. فقد ظلت قضية الأكراد الذين جُردوا من الجنسية إثر الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962 واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، فيما ارتبط وضع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارات سياسية وقانونية تتعلق بالحفاظ على هويتهم الوطنية وحقهم في العودة. لكن ما علاقة هذه الملفات بحق امرأة سورية في منح جنسيتها لطفلها؟ وهل يؤدي الاعتراف بجنسية الأم إلى تجنيس زوجها الأجنبي أو تغيير الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين؟ لم تكن هذه المسائل متطابقة من الناحية القانونية، ومع ذلك جرى الربط بينها ضمن الاعتراضات التي واجهت مطالباتنا، فيما استمرت أسر كثيرة في مواجهة الصعوبات المتعلقة بتعليم أبنائها وعملهم وتملكهم. ورغم تلك العوائق، لم تتوقف المحاولات، ففي عام 2003، نشطت رابطة النساء السوريات للمطالبة بتعديل المادة الثالثة من قانون الجنسية، وقدمت مذكرة إلى مجلس الشعب في 30 آذار 2004. وكشف تقرير رسمي قدمته الحكومة السورية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة عام 2005 أن 35 نائباً تقدموا بمشروع تعديل أُدرج على جدول أعمال دورة أيار وحزيران 2004. وأُحيل المشروع إلى الحكومة، وتوالت بعده المقترحات والمراجعات القانونية خلال أعوام لاحقة، لكن أياً منها لم يفضِ إلى تغيير القاعدة الأساسية التي تحرم الأم السورية من نقل جنسيتها إلى أبنائها على قدم المساواة مع الأب. مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما أعقبها من حرب ونزوح وتهجير، ازدادت المشكلة تعقيداً، فلم تعد مقتصرة