خَجِلةٌ أنا. لبنانيةٌ في السابعة والثلاثين، أكتب عن الذكاء الاصطناعي، ولا أعرف شوارع بيروت ومقاهيها كما أشتهي. صحيحٌ أنّني أمضيتُ معظم حياتي خارج لبنان، لكنّ ذلك لم يخفّف شيئًا من حرجي وأنا أتعرّف إلى مدينتي عبر Google Maps ومحرّكات البحث. سألتُ عن مقهى أعمل فيه، فجاءت التوصية: «المقهى الفلاني في الحمرا هو الخيار الأفضل لكِ، يمكنكِ أن تعملي فيه وتشربي قهوةً جيّدة». ثمّ انطلق من Google Maps صوتٌ نسائيّ بلكنةٍ بريطانية: «اسلكي المخرج الثالث». وهكذا وجدتُني أجلس والخوارزميات إلى طاولةٍ واحدة، في المقهى الفلاني. "اسأل ChatGPT، أسرع وأسهل، بيوفّر عليك وقت. ما رح تكون أذكى من الذكاء الاصطناعي!" التقطت أذناي هذه الكلمات من الطاولة المجاورة. قد أكون نسيتُ الطرقات، لكنّني لم أنسَ خصلةً لا يبرأ منها أحدٌ منّا، نحن اللبنانيون: أن نملك جوابًا عن كلّ سؤال، ونقوله بثقةٍ لا تهتزّ. كان الرجل جالسًا أمام حاسوبٍ محمول مفتوحٍ على ChatGPT. كتب سؤاله، فجاءه الجواب في ثوانٍ، فنسخه وأرسله إلى صديقه الجالس قبالته من دون أن يقرأ منه حرفًا، ثمّ عاد يرتشف قهوته. كتمتُ رغبتي في التصحيح، وأدركتُ أنّ هذا الرجل هو تمامًا ما أحاول شرحه. فما يجعلنا نصدّق أنّ ChatGPT «يفكّر» ليس بما يعرفه، بل بطريقته في الكلام: جملٌ متماسكة، ونبرةٌ واثقة لا يتسلّل إليها الشكّ. جملٌ وسيمة، كذاك الشابّ المفتون بـChatGPT. تخيّلوا شخصًا قرأ كمًّا هائلًا ممّا نُشر على الإنترنت، وأتقن لعبةً واحدة: أن يخمّن الكلمة التالية. فإذا قلتَ له «الجار قبل…»، أكمل «الدار» في ثوانٍ، لا لأنّه يعرف ما الجار وما الدار، بل لأنّه صادف العبارة مرّاتٍ لا تُحصى. ثمّ درّبه بشرٌ على أن يجيب بأدبٍ وثقة، فصار يُحسن الكلام حتى حين لا يعرف معناه. هكذا يعمل ChatGPT وأمثاله: يختار الكلمة الأرجح، لا الأصدق بالضرورة، ويقولها بالنبرة نفسها في الحالتين. ولهذا وصفت اللسانية الأميركية إميلي بندر والباحثة تيمنيت غيبرو هذه النماذج، في عام 2021، بـِ «الببغاوات الاحتمالية»، وإن خالفهما في ذلك علماء آخرون. هذا، ببساطة، ما هي عليه النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT وClaude: ببغاواتٌ ملوّنة، واثقةٌ من نفسها. في آب عام 1955، كان جون مكارثي، أستاذ الرياضيات الشابّ في كلّية «دارتموث» الأميركية، يلاحق فكرةً بدت لكثيرين ضربًا من الخيال: أن يتعلّم الكمبيوتر، ذلك الجهاز الضخم الذي يملأ غرفةً كاملة ولا يجيد سوى الحساب، كيف يحاكي العقل البشري. فاستعان بثلاثة علماء، بينهم كلود شانون، «أبو نظرية المعلومات»، وكتبوا معًا طلب تمويلٍ إلى مؤسسة «روكفلر»: عشرة علماء، وشهران، وصيفٌ واحد يكفي، بحسب ما كتبوا، لتحقيق «تقدّمٍ كبير». وكان على المشروع أن يحمل اسمًا. كان نجم «السيبرنيطيقا» (Cybernetics)، علم التحكّم الذي تزعّمه نوربرت فينر، في أوجه، ولم يُرد مكارثي، كما روى لاحقًا، أن يتّخذ فينر مرشدًا ولا أن يدخل معه في جدال، فاختار اسمًا جديدًا: «الذكاء الاصطناعي». طلب مكارثي من «روكفلر» 13500 دولار، فنال 7500. وفي صيف 1956، توافد العلماء إلى بلدة هانوفر الهادئة، يأتي بعضهم أيّامًا ثمّ يرحل، ومضى الصيف من دون الاختراق الموعود. ومرّ بعده سبعون صيفًا، ولم تُحسم أسئلتهم. أمّا اسم «الذكاء الاصطناعي» فسبقهم إلى العالم كلّه. والمفارقة أنّهم لم يعدوا يومها بكمبيوترٍ ذكيّ، بل بكمبيوترٍ «يحاكي» الذكاء، أيْ يقلّده. لكنّ هذا القيد ضاع في الطريق، فصدّقنا أنّ ما يقلّد الذكاء ذكيٌّ هو الآخر. ولهذا اقترح التقني الإيطالي ستيفانو كوينتاريلي، مازحًا، اسمًا بديلًا يُختصر إلى SALAMI «سلامي» (Systematic Approaches to Learning Algorithms and Machine Inferences). الذكاء الاصطناعي ليس تقنيةً واحدة، بل عائلةٌ من النماذج. فنماذج التنبّؤ تتعلّم من أرقام الماضي لتتوقّع المستقبل، كأن يقدّر Google Maps موعد وصولك، أو يقرّر برنامجٌ في مصرفٍ إن كنتَ «تستحقّ» قرضًا. وأنظمة التوصية تختار لنا الفيديو التالي على YouTube وTikTok، وأنظمة الرؤية تتعرّف إلى وجهك فتفتح الهاتف. إن كانت هذه التقنيات كلّها، على اختلافها، قادرةً على الخطأ، فلماذا نصدّقها بهذه السهولة؟ لهذا الميل اسمٌ في علم النفس: «انحياز الأتمتة» (Automation Bias)، أيْ أن نصدّق الأجهزة والبرامج أكثر من أعيننا، لأنّ التحقّق متعب والبرامج لا تتعب، تمامًا كما نصدّق الطبيب والمحامي والمهندس لأنّهم مختصّون، وننسى أنّ المختصّين يخطئون أيضًا. ففي عام 2013، خرجت البلجيكية سابين مورو لتقلّ صديقةً من محطّةٍ تبعد 60 كيلومترًا عن بيتها، فانتهى بها المطاف، بعد يومين و1450 كيلومترًا، في زغرب الكرواتية. رأت اللافتات تتبدّل من لغةٍ إلى أخرى، لكنّها قرّرت أن تثق بجهاز الملاحة. ذاك الجهاز كان أخرس تقريبًا، أمّا روبوتات المحا