لم تعد الأزمات المصرفية تقتصر على التعثر المالي وسوء الإدارة، بل باتت تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، من شبهات الفساد وتضارب المصالح إلى الهجمات السيبرانية وسرقة الأموال. وفي تطورين متزامنين، هزّ انهيار مصرف "أوينو" الرقمي في باراغواي المشهدين المالي والسياسي، وصولاً إلى عزل الرئيس سانتياغو بينيا، فيما تعرّض مصرف "كريدي موتويل أركيا" الفرنسي لهجوم إلكتروني أسفر عن معاملات احتيالية تجاوزت قيمتها 100 مليون يورو. ففي باراغواي، تحوّل انهيار مصرف "أوينو" (Ueno Bank) إلى أزمة وطنية بعدما أدى تعثره إلى تجميد حسابات ملايين العملاء وتعطيل عمليات السحب والتحويلات، وسط اتهامات بوجود مخالفات مالية وضعف في الرقابة المصرفية.وكان المصرف الرقمي، الذي أُطلق عام 2021 وينتمي إلى مجموعة "فاسكيز" (Grupo Vázquez)، قد توسّع بسرعة ليصل عدد عملائه إلى نحو 3 ملايين شخص، كما تولّى إدارة أموال عامة، بينها استثمارات لصندوق التقاعد والضمان الاجتماعي.وفي 3 تشرين الثاني، تدخّل المصرف المركزي وبدأ إجراءات تصفية «أوينو»، بعدما تراجعت نسبة ملاءته المالية إلى ما دون الحد القانوني. وكشفت التحقيقات عن قروض بنحو 146 مليون دولار لشركات مرتبطة بالمجموعة المالكة، إلى جانب شبهات بشأن تجاوزات في منح القروض وتسجيل النفقات. أزمة سياسية ومصرفيةوامتدت تداعيات الانهيار إلى الرئاسة، بسبب علاقات بينيا التجارية السابقة مع المجموعة المالكة للمصرف، إذ امتلك أسهماً في الشركة القابضة المرتبطة بها قبل بيع حصته عام 2025. واتهمته المعارضة بتضارب المصالح والتدخل لمصلحة المصرف، وهي اتهامات نفاها.وبعد احتجاجات شعبية ومطالب بمحاسبة المسؤولين، صوّت مجلس النواب لمصلحة اتهامه، قبل أن يقر مجلس الشيوخ عزله في 6 تشرين الثاني، بأغلبية 44 صوتاً من أصل 45، ليتولى نائبه بيدرو أليانا الرئاسة حتى عام 2028. كما فُتحت تحقيقات جنائية شملت مسؤولين في المصرف والحكومة، ووُجهت اتهامات إلى 27 شخصاً. في فرنساوفي فرنسا، واجه القطاع المصرفي حادثة من نوع آخر، بعدما أعلن مصرف "كريدي موتويل أركيا" (Crédit Mutuel Arkéa) تعرضه لهجوم سيبراني أتاح للقراصنة تنفيذ تحويلات احتيالية من حساب تابع للمصرف إلى بنوك أخرى، من دون اختراق حسابات العملاء.وبحسب المصرف، جرى تحويل الأموال لاحقاً إلى عملات مشفرة عبر منصات متخصصة، وتمكن من تجميد جزء منها، فيما تتواصل الجهود لاسترداد الباقي. وقدّر المصرف حجم الأموال المعنية بأكثر من 100 مليون يورو، لكنه لم يؤكد الرقم الذي أوردته صحيفة "لو تلغرام" والبالغ 118 مليون يورو، أي نحو 133 مليون دولار.وأوضح أن الهجوم، الذي وصفه بالمتطور والمنفذ من الخارج، أصبح تحت السيطرة، وأنه لم يؤثر في أموال العملاء، وإن تسبب في تأخير بعض التحويلات المصرفية. كما استبعد أن يكون ناجماً عن خطأ بشري، مؤكداً التعاون مع السلطات القضائية والأمنية لكشف ملابساته.من جهتها، فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً في الحادثة، فيما أعلن دانيال بال، رئيس الاتحاد الوطني لـ"كريدي موتويل"، في 6 تشرين الثاني، استرداد جزء من الأموال المسروقة، من دون تحديد قيمتها. وتعيد الحادثتان تسليط الضوء على الأخطار التي تواجه المؤسسات المصرفية، سواء بفعل ضعف الحوكمة والرقابة أو تطور أساليب الاختراق الإلكتروني، وما يمكن أن تتركه من تداعيات تتجاوز الخسائر المالية إلى ثقة المودعين واستقرار المؤسسات والأنظمة المالية.