في ظل المخاوف من اتساع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أولوية تحييد البلاد عن الحروب وتعزيز سلطة الدولة، فيما أكّد السفير الفرنسي باتريك دوريل حرص بلاده على استقرار لبنان واستمرار الحضور المسيحي فيه، وسط تأكيد مشترك على ضرورة حصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية والحفاظ على الأمن في الجنوب. وجاءت هذه المواقف خلال استقبال الراعي السفير الفرنسي في الصرح البطريركي في بكركي، يرافقه مسؤول البروتوكول زاهر أبو راشد، حيث تناول اللقاء التطورات اللبنانية والإقليمية والعلاقات الثنائية بين لبنان وفرنسا، إلى جانب الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تجنّب التصعيد، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تواجه البلاد. وأعرب الراعي عن قلقه من احتمال توسّع المواجهات العسكرية في المنطقة وما قد تحمله من تداعيات على لبنان، مشدّدًا على أن الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يشكّلان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات. من جهته، أكّد دوريل استمرار المساعي الدولية لمنع التصعيد، مشيرًا إلى أهمية تكثيف الاتصالات بين الأطراف المعنية وتحصين الاستقرار اللبناني في مواجهة التطورات الإقليمية. وحضر الوضع في الجنوب ومستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" في صلب المحادثات، حيث جرى البحث في الجهود التي تبذلها فرنسا، بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية، للمحافظة على الأمن وتجنّب أي فراغ أمني. وشدّد الجانبان على ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون، وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة الملفات الخلافية، بما يصون سيادة لبنان ووحدته واستقراره. وفي الشأن الداخلي، أشاد السفير الفرنسي بالخصوصية الثقافية والتربوية للبنان، معتبرًا أنه يشكّل نموذجًا استثنائيًا في المنطقة بفضل انفتاحه الحضاري وتعدديته ومستواه التعليمي، ولا سيما انتشار اللغة الفرنسية والدور الذي تؤديه الكنيسة عبر مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها الاجتماعية. ورأى دوريل أن الحفاظ على هذه الميزة اللبنانية يتطلّب قيام دولة قوية ومؤسسات فاعلة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية تعيد الثقة وتساهم في تشجيع الاستثمارات الخارجية. في المقابل، حذّر الراعي من تداعيات الأزمة الاقتصادية على المقوّمات التي ميّزت لبنان عبر تاريخه، داعيًا إلى تضافر الجهود لحماية المؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية وضمان استمرار دورها. وتوسّع البحث ليشمل تحديات الهجرة وتدهور الأوضاع المعيشية ومسألة المحافظة على الأراضي، حيث شدّد البطريرك على أهمية تثبيت اللبنانيين في أرضهم، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وتشجيع المغتربين على الاستثمار في وطنهم. وفي موقف لافت، أكّد السفير دوريل أن المحافظة على الحضور المسيحي في لبنان تشكّل إحدى أولويات فرنسا، مشيدًا بالدور الذي تؤديه الكنيسة على المستويات الروحية والتربوية والاجتماعية، وبأهمية استمرار حضورها الفاعل في المدن والقرى، بالتعاون مع مجتمع مدني قوي ومتضامن. كما تناول اللقاء أوضاع المدارس الكاثوليكية والصعوبات التي تواجهها العائلات في تأمين الأقساط المدرسية لأبنائها، مع تأكيد استمرار الاهتمام الفرنسي بدعم المؤسسات التربوية والمحافظة على رسالتها. ولم تقتصر المحادثات على الوضع اللبناني، إذ تطرّق الجانبان إلى أوضاع المسيحيين في سوريا والعراق وسائر دول الشرق الأوسط، في ظل استمرار الهجرة وتراجع الحضور المسيحي في المنطقة. وأعرب الراعي عن قلقه من هذه الظاهرة، مشدّدًا على ضرورة توفير الضمانات التي تتيح لجميع المواطنين العيش بحرية وكرامة ومساواة، فيما أكّد السفير الفرنسي اهتمام بلاده بحماية التنوّع الديني والثقافي ودعم المبادرات الهادفة إلى تعزيز الاستقرار والتعايش. وتناول اللقاء أيضًا التطورات الداخلية في فرنسا، حيث أعرب الراعي عن تضامنه مع الشعب الفرنسي، فيما أكّد دوريل مواصلة السلطات الفرنسية جهودها لمعالجة التحديات الاجتماعية والمحافظة على الاستقرار. وفي ختام اللقاء، تحدّث السفير الفرنسي عن تجربته في تعلّم اللغة العربية ودراستها في باريس ودمشق، وعن غنى اللهجات العربية، ولا سيما اللهجة اللبنانية، معربًا عن تقديره للثقافة اللبنانية. واختُتمت المحادثات بالتأكيد على عمق العلاقات التاريخية بين لبنان وفرنسا، وأهمية مواصلة التعاون الثنائي بما يعزّز الاستقرار ويحافظ على رسالة لبنان القائمة على الحرية والتنوّع والشراكة الوطنية.