تكشف أزمات لبنان المتلاحقة عن حاجة ملحّة إلى إعادة تخطيط المدن والبنية التحتية، بعدما أسهمت الحروب والنزوح وضعف الرقابة في توسّع البناء المخالف والتجمعات غير المنظمة. واحدة من الأزمات التي تتكشّف في لبنان، كلما واجه حرباً أو نزوحاً أو انهياراً اقتصادياً، هي أزمة بلد يحتاج إلى إعادة تخطيط بنيته التحتية وعلاقتها بالتوزّع السكاني والتحوّلات الديموغرافية. بين أبنية مرخّصة وأخرى تجاوزت رخصها وتجمّعات نشأت خارج التنظيم المدني، تمدّد العمران في فترات غاب فيها الإشراف الرسمي أو تراجع بشدة لا سيما خلال الحرب الأهلية (1975 - 1990) وما تلاها من حروب وأزمات عصفت بلبنان وغيّبت معها الرقابة، مما أنتج تجمعات سكنية فوضوية وتشكل أخطاراً على السلامة العامة. وفق تقارير منظمات دولية ومحلية، نحو 70 في المئة من سكان لبنان يعيشون في المدن لا سيما بيروت الكبرى وطرابلس، 53 في المئة منهم ضمن أحياء ومناطق مصنّفة "عشوائية"، وهي ليست بالضرورة نسبة المنازل المبنية بلا رخص، فالمخالفة قد تكون غرفة أو طابقاً، والمبنى قد يضم عشرات الشقق. "إليسار" والقرارات الاستثنائية تعود جذور الفوضى المدنية، إلى تجمعات اللجوء والسكن الفقير بين عامي 1920 و1955، والهجرة الريفية خلال الخمسينيات والستينيات، ثم تهجير عشرات الآلاف الحرب الأهلية، لتتفاقم تباعاً مع الظروف الأمنية والسياسية التي مر بها لبنان. إلا أن الفوضى الكبرى الحديثة حيث تبرز مسؤولية الدولة تظهر صراحةً في "التعميم 33" الصادر في الـ13 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، الذي أعطى البلديات بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي إمكانية إصدار تصاريح مخالفة للأصول المعتمدة في التنظيم المدني، معللين ذلك بالتساهل الاستثنائي للظروف الصعبة وحاجات المواطنين شرط عدم تجاوز المساحات 150 متراً مربعاً. البناء العشوائي في مدينة طرابلس شمال لبنان (ا ف ب) ولا يمكن أيضاً تجاهل الظروف السياسية التي منعت الدولة من تنظيم البناء في بيروت، حيث كان يفترض إلى جانب شركة "سوليدير" التي نظمت وسط بيروت، أن يبدأ تنفيذ مشروع "إليسار" الذي كان يهدف لإزالة عشوائيات منطقة "الأوزاعي" الممتدة بين المطار وواجهة بيروت البحرية، وكان يستهدف تنظيم 560 هكتاراً ضمّت تجمعاتها نحو 100 ألف شخص، إلا أنه بعد مفاوضات بدأت عام 1995 بين حكومة رفيق الحريري و"حركة أمل" و"حزب الله" فشل الأمر ومُنع المشروع من التنفيذ، حتى يومنا هذا. أما في نطاق قضاء بعلبك (شرق)، ووفق دراسة رسمية عام 2015 بعنوان "الدراسة القطاعية للتنمية – اتحاد بلديات شرقي بعلبك"، والتي أعدتها وكالة "التخطيط والتنمية"، وصل البناء من دون ترخيص إلى 97 في المئة داخل بعض البلدات، حيث أحصت 5288 وحدة سكنية غير مرخصة، مقابل 552 مسكناً مرخّصاً، في حين تُقدَّر المخالفات في مدينة بعلبك بنحو 90 في المئة من المباني. وفي طرابلس (شمال)، وثّق رئيس البلدية عام 2022 مطالب إزالة بكتب مرقمة 237 و238 و248، شملت مخالفات في منطقة "أبي سمراء"، ومجاري المياه. وفي مارس (آذار) الماضي، تحدّث تقرير صحافي عن مئات المخالفات بالشمال وعكار. وبين قانونَي التسوية 324/1994 و139/2019، وصولاً إلى تمديد المهلة عاماً واحداً في موازنة 2026 للمخالفات المشمولة حتى نهاية 2018، تراكم توقع إمكان التسوية لاحقاً، لكن التسوية لا تشرعن تلقائياً الاعتداء على الملك العام أو الغير. وإلى جانب البناء المخالف، يبرز ملف الإيجارات القديمة بوصفه أحد العوامل التي عقّدت صيانة الأبنية وتجديدها. فالتمديد القانوني الطويل للعقود، مع تدنّي البدلات وتآكل قيمتها، أبقى المالك أمام عقار تتراجع عائداته مقارنةً بكلفة ترميمه، والمستأجر أمام مسكن يتمتع بحق الاستمرار في إشغاله، لكنه لا يملكه ولا يملك منفرداً قرار إعادة تأهيله. وفي هذه العلاقة المعلّقة، قد تتراجع قدرة المالك وحافزه على الاستثمار، فيما يتردد المستأجر بتحمّل كلفة تطوير أصل لن تنتقل ملكيته إليه، أو أنه يعجز أصلاً عن تمويلها. لم يجعل القانون المستأجر مالكاً، لكنه قيّد لأعوام قدرة المالك على استرداد المأجور وإعادة توظيفه. ومع ضعف الرقابة وغياب التمويل الكافي للصيانة، أسهم هذا الجمود في تأخير تأهيل أجزاء من النسيج العمراني القديم. غير أن تحميل الإيجارات القديمة وحدها مسؤولية الأبنية الآيلة للانهيار، أو اعتبارها سبباً مثبتاً لانتشار البناء غير المرخّص، يتجاوز الأدلة المتاحة، فتحديد أسباب الخطر يحتاج إلى كشف هندسي لكل مبنى. وانخفاض الإيرادات لا يلغي واجب المالك القانوني في صيانة البناء وتأمين متانته، وإجراء التدعيم دون إبطاء عند ظهور خطر انهيار، وفق المادة 18 من قانون البناء. وعلى رغم صدور قانون الإيجارات عام 2014 وتعديله بالقانون رقم 2/2017، بهدف الانتقال التدرجي إلى بدلات جديدة وتحرير العلاقة الإيجارية ضمن مهل وشر