تمثل الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة السعودية الرياض، وهي الزيارة السادسة له منذ توليه منصبه، والثانية خلال شهر واحد (تشرين الأول/ أكتوبر)، تحولاً بنيوياً وتاريخياً في نمط العلاقات بين دمشق والرياض. فالزيارات المكثفة والمتواترة تجاوزت الأطر الدبلوماسية البروتوكولية المعتادة، لتضع خريطة طريق استراتيجية شمولية تهدف إلى نقل العلاقات الثنائية من إطار "إعادة التموضع والتعافي" إلى مرحلة "الشراكة الاستراتيجية الكاملة"، بالتوازي مع تقاطع الرؤى الأمنية والاقتصادية السورية مع التوجهات الإقليمية لرؤية "السعودية 2030". وتعكس التشكيلة الوزارية ذات الثقل السيادي للمحاورين السوريين في الرياض، والتي ضمت وزراء الخارجية والدفاع والمالية والصناعة، إضافة إلى رئيس جهاز الاستخبارات العامة، حجم الملفات المطروحة على طاولة البحث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأهميتها. وهي ملفات تتراوح بين تثبيت قواعد الاستقرار المالي والمصرفي، وتطوير البنى التحتية الشاملة، وصولاً إلى وضع اللبنات الأساسية لبناء منظومة دفاعية وأمنية جديدة ومكافحة الإرهاب. حوكمة التمويل ومشاريع البنية التحتية كشفت مذكرات التفاهم والاتفاقيات الموقعة بين الجانبين في الرياض عن مسار عملي تُرجمت فيه الاحتياجات السورية إلى مشروعات تنموية قابلة للتنفيذ، وفق آليات سعودية دقيقة قائمة على الحوكمة والشفافية. وفي هذا السياق، يوضح الكاتب والمحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي، في حديثه لـِ "المدن"، أن "هذه الزيارة جاءت كاستكمال وامتداد مباشر للزيارة التي جرت في بداية شهر أكتوبر، لتأكيد استدامة التنسيق بين القيادتين السعودية والسورية"، مشيراً إلى أن المطلع على بنود الاتفاقيات ومذكرات التفاهم يجد أنها صبت بشكل مباشر في مصلحة الاقتصاد السوري ومنافع الشعب السوري، عبر استهداف مشاريع البنى التحتية والاحتياجات الأساسية للدولة. وتشمل هذه المشاريع، وفق آل عاتي، إعادة تأهيل وبناء القطاعات الحيوية: الطرق والمستشفيات والجامعات والمطارات ومشاريع الطاقة والمياه والكهرباء، إضافة إلى التطوير العقاري والإسكان، وأتمتة المنافذ الحدودية السورية وتطوير تقنياتها. وأضاف آل عاتي أن الحكومة السورية أبدت وعياً عالياً بنوعية التعاطي السعودي، حيث قدمت "قوائم تفصيلية بالاحتياجات المراد بناؤها أو إعادة ترميمها، والتي جاءت متوافقة تماماً مع المعايير والـ (كوتا) السعودية المحددة لتقديم المساعدات وحوكمة تمويل المشاريع الأساسية في الدول الشقيقة". من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي السوري ياسر النجار، في تصريحه لـِ "المدن"، أن خريطة العمل المشتركة تتوزع على مستويات بينية وإقليمية، مشيراً إلى أن رؤية "السعودية 2030" تعتمد على توسيع نطاق التفاعل التنموي خارج حدود المملكة، لينعكس إيجاباً على استقرار الإقليم ككل، وتُعد سوريا جزءاً رئيسياً من هذا المسار. وبيّن النجار أن الملف الاقتصادي والصناعي المطروح يشكل "باكورة النشاط المشترك"، ولا يقتصر على إعادة الإعمار فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير قطاع الصحة والخدمات المالية والتأمين، حيث تسعى الدولة السورية إلى الاستفادة من التجربة والخبرة السعودية لتطوير المعاملات البنكية، وتسهيل الحوالات المالية المصرفية، وتوفير بيئة اقتصادية آمنة تُساهم في جذب الاستثمارات وتجاوز مخلفات سنوات العقوبات والحصار. بناء الجيش ومواجهة التهديدات لم يكن الحضور الاستثنائي لوزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات العامة السوريين مجرد إجراء تنسيقي عابر، بل حمل دلالات صريحة تتعلق بمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وإعادة بناء الهيكلية الأمنية والعسكرية للدولة السورية. وفي هذا الصدد، يؤكد مبارك آل عاتي لـِ "المدن" أن توقيت الزيارة يأتي في ظل مرحلة من الاحتدام والتدافع بين القوى الكبرى والإقليمية في المنطقة، ما جعل من ملف التعاون العسكري ضرورة لحماية الأمن القومي السوري والخليجي. وأوضح آل عاتي أن الرؤية السعودية الثابتة تدرك أن "أمن سوريا جزء لا يتجزأ من أمن المملكة العربية السعودية"، ولذلك جاءت الاتفاقية العسكرية لتدعيم قواعد الأمن العسكري السوري الذي يخوض مرحلة "تصحيح وإنشاء من جديد". وأشار آل عاتي إلى أن التنسيق الاستخباري والأمني المشترك يهدف إلى درء أخطار التدخلات الإقليمية في الداخل السوري، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح، والحد من نفوذ التنظيمات والأحزاب المدججة بالسلاح، سواء حزب الله أو الجماعات المسلحة الأخرى في العراق وعلى الحدود الإيرانية، إضافة إلى مواجهة التحديات الناتجة عن التدخلات الإسرائيلية السافرة في الجنوب السوري والجولان والسويداء. بدوره، يرى ياسر النجار أن القيادة السورية حرصت، من خلال هذا التنسيق، على إرسال رسائل تطمين مفادها أن استقرار سوريا شرط لعدم تصدير أي خل