يواجه سد الفرات في الرقة تحديات متعددة، فبعد خمسة عشر عاماً من الحرب وتراجع الصيانة وتقلبات المناخ الحادة بين الجفاف والسيول، يقرع الخبراء والمهندسون جرس الإنذار في المنشأة الاستراتيجية الأهم في سوريا لتقييم مخاطر إنشائية وتشغيلية فرضتها تداعيات الحرب السورية على امتداد عقد ونصف وزلزال تركيا وسوريا في 2023 وما تبعه من هزات ارتدادية، وصولاً إلى الاضطرار لفتح بوابات السد بشكل غير عادي بسبب تزايد الوارد المائي من تركيا، ما يستدعي تقييمات فنية عاجلة تتجاوز البيروقراطية الإدارية نحو استراتيجية متكاملة لضمان أمان السد وحوض الفرات. 15 عاماً من الاستنزافوفي حديث لـِ "المدن"، يوضح الدكتور أحمد غازي مجر، خبير إدارة ترب مالحة ومياه، أنه على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية (2011–2026)، تحول سد الفرات من مشروع وطني كبير لتنظيم مياه النهر وتوليد الكهرباء وري مساحات واسعة، إلى أحد أكثر مؤشرات أزمة المياه والطاقة وضوحاً في سوريا. ولم يكن ذلك نتيجة عامل واحد، بل نتج عن تداخل الجفاف وتراجع الواردات المائية، والسيطرة العسكرية المتعاقبة، قبل أن تعود إدارة مرافقه إلى العاملين والفنيين المختصين في يناير/ كانون الثاني 2026 وفق وزارة الطاقة السورية.بالإضافة إلى أضرار الحرب وضعف الصيانة، إلى جانب التوتر المزمن مع تركيا حول تدفقات النهر، ومشكلات مزمنة في كفاءة استخدام المياه وإدارتها داخلياً. مناسيب حرجة وتخزين ميتوإلى جانب الحرب، يلفت الدكتور أحمد غازي مجر إلى موجات الجفاف الشديدة، إذ تشير دراسة حديثة لمؤسسة "كارنيغي" إلى أن بحيرة الأسد اقتربت خلال جفاف 2020–2022 من "منسوب التخزين الميت" بنحو متر واحد فقط، ما هدد تشغيل العنفات وسلامة التشغيل الفني، كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عام 2023 توقف أو تعطل الري في أجزاء من الرقة ودير الزور نتيجة انخفاض التدفق، ما اضطرها مع شركائها لإعادة تأهيل مضخات للتكيف مع المناسيب الجديدة. ويبرز هنا العامل التركي عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (الغاب)؛ فبينما ينص بروتوكول 1987 على تدفق متوسط شهري مقداره 500 م³/ثانية إلى سوريا وتؤكد أنقرة عدم استخدام المياه سياسياً، تتهم مصادر سورية ومنظمات محلية تركيا بخفض التدفقات خاصة منذ 2020، ما فاقم الوضع الكارثي في سوريا والعراق.ويؤكد الدكتور أحمد غازي مجر أن الحرب وسوء الإدارة أضافا طبقة ثانية للأزمة؛ فكفاءة تحويل المياه لإنتاج زراعي وكهرباء تعتمد على سلامة شبكات الري والصرف وكفاءة المضخات وصيانة العنفات، في وقت يعتمد فيه الري تاريخياً في سوريا على الري السطحي مع مشكلات ملوحة وصرف وفواقد مائية. كما أن انخفاض المنسوب يضغط على تشغيل العنفات عند المناسيب الحرجة، فيصبح إنتاج الكهرباء منافساً لاستخدامات المياه الأخرى، ويؤدي نقص الكهرباء لصعوبة تشغيل محطات الضخ، فتتشكل حلقة مفرغة: "مياه أقل، كهرباء أقل، ضخ أقل، إنتاج زراعي أقل، ثم حاجة أكبر إلى المياه والطاقة|، والحاجة الأكبر للمياه والطاقة تعني زيادة احتمالية الوصول إلى التخرين الميت ما يؤثر على سلامة السد. عقدان بلا تقييم فنيوعلى الصعيد الإنشائي، يقول مهندس عمل في عدد من المنشآت المائية سابقاً، يفضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أنّ سدود الفرات الثلاثة (الطبقة، كديران، منبج) لم تخضع لأي تقييم فني للسلامة الإنشائية والاستقرار وحساب عامل الأمان منذ عشرين عاماً، رغم أن المعايير العالمية وشروط استثمار السدود تفرض إجراء تقييم شامل كل خمس سنوات. ويشير المهندس إلى أن هذه العقود شهدت تغيرات في مناسيب التخزين وتمرير الحمولات وطريقة الإدارة، وتعرض المنطقة لهزات أرضية ومعارك وتفجيرات، وسط انعدام لأعمال القياس والمراقبة لغياب الأجهزة المساحية والكوادر المتمكنة، وإهمال الدوائر المدنية والمائية كلياً، خاصة خلال فترة سيطرة "قسد".وحذّر أن فتح البوابات لفترات طويلة ومرات عديدة ـ واستمرار عمل السدود حالياً مع فتح البوابات ـ يُحدث اهتزازات كبيرة في جسم السد قد تسبب انزياحات في أقسام مبنى المحطة وهبوطاً في أساسات السدود الترابية، ما يستوجب تكثيف تواتر القياسات في الظروف الاستثنائية. وأوضح أن لكل سد قيماً حدية مسموحة، وتجاوزها ينذر بتغير تجب مراقبته سريعاً، مؤكداً أن المؤشر الأخطر هو "الرشح وتسرب المياه" في الأقسام البيتونية أو السد الترابي، يليه "الهبوط والانزياحات" المؤثرة على استقرار السد. وبينما يقع تحديد المعدات المنتهية الصلاحية على عاتق مهندسي الكهرباء والميكانيك، يشدد الخبراء على أن أمان واستقرار السد كمنشأة مدنية أهم من التجهيزات الميكانيكية والكهربائية، وأن التقييم الشامل ليس جولة تفقدية بل دراسة كاملة جديدة للسد ـ على غرار التقرير النهائي لتقييم سد تشرين الذي تألف من سبعة مجلدات بنحو مئة صفحة لكل مجلد ـ ما يتطلب جهة متخصصة وخبيرة. هطولات وتش