في لبنان، قد يطرق المستثمر باباً طويلاً قبل أن يقرر الرحيل. وحين يخرج، لا يترك وراءه فندقاً أو عقاراً فحسب؛ يترك سؤالاً عن الشكوى التي لم تجد من يسمعها، وعن الدولة التي لا تتحرك إلا بعدما يصبح النزاع قضية. لم تبدأ حكاية الحبتور في تشرين الثاني، حين أعلنت المجموعة قرار بيع جميع أصولها في لبنان. سبقتها سنوات من الشكاوى، ثم إعلان وقف العمليات، ثم انتقال الخلاف إلى التحكيم الدولي. وفي هذه المسافة بين الإنذار والبيع، ضاعت فرصة كان يمكن أن تفتح باباً آخر. تقول المجموعة إنها وجّهت إخطاراً رسمياً بالنزاع إلى الدولة اللبنانية في كانون الثاني 2024، استناداً إلى اتفاقية الاستثمار بين لبنان والإمارات، وإنها سعت إلى تسوية ودية قبل اللجوء إلى الإجراءات القانونية. وتتصل شكواها بقيود مصرفية تقول إنها منعتها من الوصول إلى أموالها وتحويلها، وبأضرار أخرى تنسبها إلى إجراءات الدولة وإخفاقها في حماية استثماراتها. هذه رواية المجموعة، وهي موضع نزاع. لكن ما تلاها صار واقعاً معلناً. ففي 28 كانون الثاني 2026، أعلنت الحبتور وقف أعمالها في لبنان، متحدثة عن عدم الاستقرار وما وصفته بحملات واعتداءات وتهديدات، إلى جانب النزاع القانوني، وأعلنت إنهاء عقود موظفيها. وفي 2 تشرين الثاني، انتقلت إلى قرار بيع الفنادق والعقارات والأراضي، على أن يُقيّم كل أصل بصورة مستقلة، من دون تحديد موعد للبيع أو قيمته الإجمالية. هنا يبرز السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات القانونية: من استمع؟ كتب رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة أن مسؤولين لبنانيين لم يبادروا إلى الاتصال بخلف الحبتور أو الوقوف على ما يواجهه، وأن إقفال مؤسساته أدى إلى تسريح مئات العاملين. ليست المسألة أن المستثمر يُعفى من المحاسبة، أو أن كل شكوى تصبح حقيقة بمجرد إعلانها. المسألة أن الدولة، حين تتلقى شكوى بهذا الحجم، مطالبة بأن تفحصها وترد عليها قبل أن تتحول إلى ملف دولي. تقول المجموعة إن خسائرها تجاوزت 1.7 مليار دولار. هذا تقديرها ومطالبتها، وليس تعويضاً أقرّه حكم. وفي نيسان 2026، تقدمت بطلب التحكيم، وسُجّل الملف في أيار لدى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، بموجب اتفاقية الاستثمار بين لبنان والإمارات. وفي تشرين الأول، تشكّلت هيئة التحكيم للنظر فيه. أما الدولة، فاستعانت بمكتب محاماة للدفاع عنها. يستطيع المحامي أن يعرض موقف الدولة، وأن يناقش الأرقام والوقائع. لكنه يصل بعد أن يكون الخلاف قد قطع مسافة طويلة. لا يعيد مؤسسة أُقفلت، ولا وظيفة فُقدت، ولا ثقة تآكلت. فالدفاع أمام هيئة التحكيم واجب، لكنه لا يعوّض غياب المعالجة حين كان لا يزال في الإمكان احتواء النزاع. ثمة دول اختارت التفاوض قبل أن يصبح الخروج أمراً واقعاً. في اليونان، هددت شركة “Eldorado Gold” بتعليق استثماراتها بسبب تأخر التراخيص والخلاف مع السلطات. وبعد محادثات مع الحكومة الجديدة، أُفرج عن تراخيص عالقة، ثم أُقرّ عام 2021 اتفاق استثماري جديد وضع إطاراً قانونياً ومالياً لاستكمال المشاريع. لم تختفِ الخلافات، لكن الشركة بقيت، ووجد الاستثمار مساراً للاستمرار. وفي تنزانيا، تعطل نشاط شركة “Barrick Gold” وسط حظر تصدير المعادن وخلافات متراكمة مع الحكومة. اختار الطرفان التفاوض على تسوية وشراكة جديدة، شملت رفع الحظر وإعادة تنظيم العلاقة وتقاسم المنافع. لم تكن المسألة أن الدولة تخلّت عن مصالحها، بل أنها دخلت في تفاوض أبقى العمليات قائمة وفتح باباً لتسوية النزاع. أما باكستان، فواجهت مشروع “Reko Diq” سنوات من التوقف والنزاع التحكيمي. وانتهى الأمر بتفاوض الحكومة مع “Barrick Gold” على تسوية وإعادة هيكلة المشروع، فعاد إلى مسار التطوير بشراكة بين الشركة والجهات الباكستانية. صحيح أن الشريك الآخر خرج، لكن المشروع لم يبقَ رهينة خصومة مفتوحة. لا تتطابق هذه التجارب مع قضية الحبتور. تختلف القطاعات والوقائع، ولا تثبت أن المستثمر محق في كل ما يطلبه. لكنها تطرح درساً واضحاً: التفاوض المبكر لا يعني التنازل، كما أن ترك النزاع يتضخم ليس دفاعاً عن الدولة. هناك وقت تكون فيه المكالمة والوساطة والتحقيق أسرع وأقل كلفة من المحامين والتحكيم. وراء كل أصل معروض للبيع أشخاص وأعمال وعلاقات اقتصادية. تحدّث السنيورة عن مئات العاملين الذين خسروا وظائفهم، وأعلنت المجموعة إنهاء عقود موظفيها. هؤلاء لا يظهرون في قيمة المطالبة ولا في أوراق التحكيم، لكنهم يدفعون جانباً من ثمن النزاع. وكذلك تفعل المؤسسات التي ارتبط عملها بالفنادق والعقارات والترفيه، في بلد لا يملك سوق عمل قادراً على ابتلاع خسارات جديدة. قد تنتهي القضية بحكم أو تسوية، وقد يجد الحبتور من يشتري أصوله. لكن السؤال الذي سيبقى للبنان أكبر من اسم المستثمر: ماذا يقول البلد لمن يفكر في الاستثمار فيه، حين يرى أن الشكوى قد تنتظر طويلاً