.لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بحضور معاونيه السياسيين، مع وفد من منتدى الحوار الثقافي في الضاحية الجنوبية لبيروت، لقاءً تنظيمياً بين التيار وحزب الله. لكنه لم يكن أيضاً مجرد زيارة اجتماعية عابرة. فهو لقاء بين باسيل وشخصيات من البيئة السياسية والاجتماعية للحزب، جاء في توقيت تتداخل فيه مؤشرات التهدئة مع أسباب التباعد، وتستمر فيه الاتصالات السياسية على مستوى رفيع، من دون أن تنجح حتى الآن في إعادة العلاقة إلى سابق عهدها. اللقاء الذي استمر لأكثر من ساعتين، كان صريحاً إلى حد المكاشفة. سمع باسيل عتباً قاسياً على مواقفه الأخيرة، ولا سيما ما اعتبره الحاضرون ابتعاداً عن حزب الله وبيئته، كما سمع انتقادات لعبارات صدرت عنه وأثارت استياءً في أوساط الحزب. وفي المقابل، لم يحاول رئيس التيار التخفيف من حدّة مواقفه أو تدوير الزوايا على حساب قناعاته السياسية، بل أعاد عرض أسباب الخلاف ومسار تدهور العلاقة، وصولاً إلى الخيارات التي بات يعدها غير قابلة للمساومة. طلب باسيل من ضيوفه طرح ملاحظاتهم وآرائهم حول مواقف التيار الوطني الحر، فتحدث عشرة أعضاء من المنتدى، وطرحوا أسئلة وملاحظات صريحة حول خطاب التيار المتعلق بالشيعة والمقاومة، والعلاقة مع حزب الله ومستقبلها، والموقف من الاحتلال الإسرائيلي، وملف النازحين السوريين، ومجمل الوضع الداخلي. بعد ذلك، عرض باسيل مواقفه، وتناول تطور العلاقة مع حزب الله، مستعرضاً النقاط الإيجابية والسلبية وأبرز القضايا الخلافية، ولا سيما دور حزب الله في حرب الإسناد، والوضع الداخلي، والسلام مع إسرائيل. واعتبر أن العلاقة مع الحزب وتغطية موقفه من المقاومة أدّتا إلى تراجع شعبية التيار منذ عام 2009 وحتى اليوم، نافياً توجيه أي إساءة إلى الطائفة الشيعية، ومؤكداً حرصه على العلاقة معها. وأبدى باسيل استياءه الشديد من مواقف السيد نواف الموسوي، واصفاً إياها بأنها "سيئة جداً"، كما اعتبر أن "اللقاء الذي تم بين الحزب والتيار لم يُلغِ الإشكالية". ورغم الملاحظات السلبية التي استمع إليها، حرص باسيل على التأكيد على أهمية التعاون مع الحزب في القضايا الوطنية، مع ضرورة التمايز في بعض المواقف، مؤكداً أيضاً دوره في الدفاع عن المقاومة خلال السنوات الماضية. في خلفية اللقاء، أزمة ثقة تتجاوز السجال الأخير. فالعلاقة التي انطلقت مع تفاهم مار مخايل عام 2006، واستمرت نحو عقد ونصف العقد، بدأت تتراجع تدريجياً منذ عام 2020، بحسب قراءة التيار، بعدما تراكمت الخلافات حول ثلاثة عناوين أساسية: بناء الدولة، والشراكة الوطنية، والاستراتيجية الدفاعية. في تقييم باسيل، لم يفِ حزب الله بما التزم به في تفاهم مار مخايل، إذ قدّم وحدة الصف الشيعي على مشروع بناء الدولة، ورفض الانتقال إلى استراتيجية دفاعية تنظّم العلاقة بين الدولة والمقاومة، واتخذ خيارات سياسية داخلية اعتبرها التيار مناقضة لمفهوم الشراكة. ثم جاءت حروب الإسناد لتكشف خلافاً أشد عمقاً، يتصل بقرار الحرب والسلم وبحدود ارتباط لبنان بالصراعات الإقليمية. وهنا تكمن العقدة الأساسية. فباسيل الذي دعم المقاومة لسنوات طويلة، ودافع عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال، لم يعد يرى في السلاح خارج الدولة ضمانة كافية لحماية البلاد. بل يعتبر أن نتائج حروب الإسناد أثبتت ضرورة حصر السلاح بالجيش اللبناني، وجعل قرار الدفاع عن لبنان والحرب والسلم بيد الدولة وحدها، بما يتيح لها تحمّل مسؤولية تحرير الأرض وحماية الحدود والسيادة وإعادة الإعمار. هذا التحوّل في المقاربة لم يلقَ تفهماً لدى أوساط في حزب الله وبيئته. على العكس، قوبلت مواقف باسيل بحملة انتقادات حادة، شارك فيها مسؤولون سابقون في الحزب، ومن بينهم نواف الموسوي. وفي أوساط التيار، ثمة استياء واضح مما يُعتبر انتقالاً من مناقشة المواقف السياسية إلى استهداف شخص باسيل ومحاولة تحجيم موقع التيار ودوره في الحياة السياسية. واللافت أن باسيل، على الرغم من استيائه من هذه الحملة، لم يذهب في اتجاه القطيعة، ولم يتراجع في الوقت نفسه عن مواقفه. مقاومة الاحتلال لا تعني حروب الإسناد في اللقاء، كان باسيل حاسماً في الفصل بين حق لبنان في مقاومة الاحتلال وبين زجّه في حروب خارجية لا ترتبط مباشرة بالدفاع عن أراضيه. فلا تراجع، وفق ما أكد، عن رفض الاحتلال الإسرائيلي وضرورة تحرير الأراضي اللبنانية وحماية الحقوق الوطنية في الأرض والثروات. لكن ذلك لا يبرّر، في نظره، ربط مصير لبنان بحروب إقليمية، سواء تحت عنوان إسناد غزة أو إسناد إيران، ولا يبرّر إبقاء قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية. وإذا كان بعض المشاركين قد دافعوا عن المقاومة المسلحة باعتبارها ضرورة لتحرير الأرض، فإن باسيل أعاد التأكيد أن المشروع الذي يتبنّاه التيار يقوم على بناء الدولة القادرة على الدفاع عن لبن