كانت تحمل الكتب قبل أن تمتلك مفاتيح لغتها. في مكتبة والدها، وجدت الطفلة روشني سوابنا عناوين لم تكن إنكليزيتها تسمح لها بفهمها، لكنها ظلّت تتنقّل بها، وحين كانت تستعصي عليها القراءة، كان والدها يحثّها على المحاولة مجدداً. لم تفهم كل شيء، لكن تلك الصفحات تركت فيها ما سيعود لاحقاً شعراً وروايات وترجمات. بعد سنوات، ستصف قراءتها بعبارة تكشف مقدار التورّط في عوالم الآخرين: "أقرأ كل كتاب برغبة عميقة في أن أكون أنا من كتبه". على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب، التقت "النهار" الشاعرة والروائية والمترجمة والأكاديمية الهندية الدكتورة روشني سوابنا، الآتية من ولاية كيرالا، للحديث عن تجربتها وملامح من الأدب الهندي المعاصر. تكتب بلغة الماليالام، وتعمل أستاذة مساعدة ومديرة لمدرسة الدراسات الأدبية في جامعة ثونشاث إژوتاتشان المالايالامية. غير أن التعريف الجامعي لا يختصر امرأة تتوزع تجربتها بين الشعر والموسيقى والرسم والمسرح والسينما، وتعود، كلما سُئلت عن موطنها الأعمق، إلى القصيدة. تقول: "أعبّر عن نفسي بالشعر والموسيقى والرسم، لكنني أحقّق ذاتي في الشعر". طفلة بين الآلات الموسيقية والكتب نشأت سوابنا في منزل تتجاور فيه الفنون. كانت والدتها موسيقية، والبيت مليئاً بالآلات، فيما امتلأت غرفة الطابق العلوي بالكتب والدوريات والمجلات. بدأت تعلّم الموسيقى الكارناتيكية والرسم في الثالثة والنصف من عمرها، قبل أن تتضح ملامح الطريق الذي ستسلكه. محمود درويش مترجما الى الماليالام في سنوات الدراسة، أخذت تكتب عن قراءاتها. وتتذكّر ملاحظة دوّنتها عن رواية لتشارلز ديكنز خلال عطلة الصف السادس، قرأها الشاعر فيناياتشاندران، صديق والدها، وأرسلها إلى صفحة للأطفال. توالت بعدها القصص والملاحظات والنصوص النثرية، إلى أن أدركت أن الشعر هو الوسيط الأقرب إلى ذاتها. بدأت قصائدها تظهر في مجلة "ماتروبومي" خلال التسعينيات، ثم صدرت روايتها "شرادها" عام 2007، بعد اشتغال امتد عشر سنوات. تتحدث عنها بوصفها عملاً نُسج بلغة متداخلة مع الشعر، وعبر أزمنة ومجتمعات مختلفة. لم تأتِ الرواية من رغبة في إعلان الحضور بقدر ما جاءت من حاجة إلى الاحتماء: "كنت أتوق إلى مكان أختبئ فيه". لكن الكتابة، التي بدت ملاذاً، حملتها إلى مواجهة ما يصعب رؤيته: أشكال العنف والقلق التي تتسلل إلى حياة الفرد من دون أن يتمكن دائماً من تسميتها أو إدراكها. الشاعرة والمترجمة الهندية روشني سوابنا وترى أن هذه الحال تتجاوز المجتمع الهندي؛ فحيثما يسعى الإنسان إلى الوقوف حراً، بصدق وإبداع وموقف سياسي، قد يجد في مواجهته قوى تضيق بهذه الحرية. من تجربتها الشخصية، ينفتح الحديث على المشهد الشعري الهندي. تلفت سوابنا إلى حضور أكثر وضوحاً لأصوات الداليت، والجماعات القبلية، وأصحاب الهويات الجنسية والجندرية المختلفة. وتصف التحوّل بأنه انتقال الهوامش إلى فضاء الشعر، بما تحمله من تجارب وأسئلة وتواريخ لم تنل حضوراً كافياً. لكنها تتحفظ على اختزال القصيدة في تسجيل المعاناة أو تمثيل جماعة بعينها. بالنسبة إليها، لا تتحول التجربة إلى شعر بمجرد نقلها كما وقعت؛ ثمة عمل على اللغة والرؤية، وثمة انتقال ينبغي أن يتحقق من الخاص إلى المشترك. تقول: "على الشعر الجيد أن يتسع من المفرد إلى الجمع". وتستعيد حديثاً مع الكاتب الهندي شارانكومار ليمبالي قال لها فيه إن "التاريخ الهندي غير مكتمل". تجد في هذه العبارة ما ينطبق على الشعر أيضاً، وعلى قدرته على الاقتراب من حيوات غابت عن الروايات المهيمنة. ومع ذلك، ترفض حصره في وظيفة التمثيل وحدها، فالقصيدة، في رؤيتها، مطالبة بأن توسّع التجربة وتختبر حدودها. هنا تتصل الجماليات بالموقف الإنساني. تقول إن كتابتها تنشأ من خبراتها، وإنها تحمل مفهوماً للمقاومة يتخذ أشكالاً فردية وفكرية وثقافية: "ما يوجد في حياتي هو ما يوجد في شعري". وتضيف أن قصيدتها لا تتسامح مع الفاشية ولا مع الاصطفاف الحزبي. من درويش وأدونيس إلى لغة الماليالام حين نسألها عن علاقتها بالأدب العربي، تتحدث عن الترجمة بوصفها جزءاً من حياتها، يوازي القراءة وكتابة الشعر. تقول إنها ترجمت نحو 800 قصيدة من آداب العالم إلى الماليالام، بينها قصائد عربية، وتذكر من الأسماء القريبة إليها أدونيس ومحمود درويش وإبراهيم ناجي وفدوى طوقان وأمينة سعيد. تشدّها قدرة اللغة على عبور المسافات والدخول إلى العوالم الداخلية للناس. وفي قراءتها لأدونيس، تتوقف عند العلاقة المقلقة بين الشاعر ولغته، وعند الإبداع الذي قد ينشأ من انعدام الطمأنينة. لا يبدو الأمان، في هذا التصور، شرطاً دائماً للكتابة؛ أحياناً تفتح الهشاشة باباً لا تفتحه السكينة. ومن أعمالها كتاب يضم ترجمات لقصائد حب لشعراء عرب معاصرين، يحمل عنواناً يمكن نقله إلى العربية بـ"كلما قبّلتك". وحين تتحدث عن القبلة،