لا تختلف قضية نقل "حزب الله" كميات من المتفجرات التي ضبطت في ضهر البيدر عن غيرها من القضايا الجنائية التي اتُّهم بها، ويفاخر بأنّها تكليف شرعي لمهمّة إلهية، يملك فيها حقّ اتخاذ القرارات التي تناسبه وتخدم قضيته، سواء كانت اغتيالات أو تفجيرات أو حربًا كبيرة وتنفيذها من دون أن ينتظر محاسبة عليها. فهو يؤمن أنّه هو الذي يحاسِب ولا يمكن أن يحاسَب. وأنّ من يكلّفهم في تنفيذ هذه العمليات إنّما هم قدّيسون يتخلّصون ممّن يعتبرونهم شياطين. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وبعد تشكيل لجنة التحقيق الدولية واتهام أربعة مسؤولين وعناصر من "الحزب" بالتخطيط لها وتنفيذها، لم يتوان "الحزب" بكل مؤسساته عن نفي هذه المسؤولية. أمينه العام السيد حسن نصرالله الذي زار عائلة الرئيس الحريري في قريطم معزِّيًا، كان أبدى تجاوبه مع دعوته إلى تقديم ما يملكه "الحزب" من معلومات تساهم في كشف مرتكبي هذه الجريمة. ولكنّه بعدما ذهبت الأدلة نحو اتهام "الحزب" بارتكابها وسمّت أفراد الشبكة الذين تولّوا التخطيط والتنفيذ، وحدّدت أدوار كل منهم وبعدما طلبت لجنة التحقيق الدولي إعتقالهم، خرج نصرالله عن صمته وأعلن أنّ المتّهمين قدّيسون "لن يتمّ توقيفهم لا اليوم ولا بعد سنة ولا بعد مئة سنة". لم يقتصر الأمر على هذا الإعلان وحده، بل ذهب نصرالله إلى تخصيص أكثر من إطلالة مباشرة له ليتحدّث عن هذا الموضوع، ولينفي التهمة، وليقدّم رواية مختلفة تذهب في اتجاه اتّهام إسرائيل بالعملية، مستعينًا بأدلّته حول قيام طائرات إسرائيلية برصد تحرّكات الرئيس الحريري. ولكنّ كلّ ذلك كان دفاعًا باطلًا، حيث إنّ نصرالله كان على يقين من أنّ هذا الاتّهام واضح وأكيد منذ أن زاره رئيس شعبة المعلومات اللواء وسام الحسن وأطلعه على الأدلّة الموثّقة التي كان قد توصّل إليها الرائد وسام عيد من خلال تحليل شبكة الاتصالات التي كشفت عناصر الحزب المتورّطين في عملية الاغتيال. أيضًا عندما حصل انفجار المستودع رقم 12 في مرفأ بيروت في 4 آب 2020 حيت تمّ تخزين 2750 طنًّا من نيترات الأمونيوم منذ العام 2013، وبعدما ذهبت الاتهامات نحو "حزب الله" والنظام السوري بأنّهما كانا وراء استقدام هذه الكمية لاستخدامها في عمليات التفجير ووقود الصواريخ والمسيّرات والبراميل المتفجرة، خرج السيد نصرالله لينفي كلّ هذه التهم وليؤكّد أن لا علاقة له ولحزبه بعملية انفجار المرفأ من دون أن يتّهم إسرائيل بأنّها هي التي قامت بعملية التفجير. لم يكتف "الحزب" بهذا النفي. بعد إحالة القضية إلى المجلس العدلي وبعد تعيين القاضي فادي صوّان محقّقًا عدليًا، وبعدما بدأ يكتشف بعض المعلومات عن هذه العملية ويستدعي بعض المشتبه بهم إلى التحقيق، تمّ تهديده مباشرة وعلنًا من قبل "الحزب"، باعتبار أنّه يريد تسييس التحقيق، وهذا ما أدّى إلى اعتذاره. الأمر نفسه تكرّر مع المحقّق العدلي الذي تولّى المهمة بعده القاضي طارق البيطار الذي اندفع نحو التوسّع في التحقيق وإستدعاء أسماء جديد وإصدار مذكرات توقيف. لم يقتصر اعتراض "الحزب" على التهديد البعيد، بل اعتمد طريقة التهديد المباشر. في 21 أيلول 2021 زار رئيس وحدة الإرتباط والتنسيق في "الحزب" وفيق صفا قصر العدل ودخل مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الذي استقبله كأي زائر آخر. ومن هناك انتقل للدخول إلى مكتب القاضي البيطار الذي رفض استقباله فتولّى توجيه رسالة مباشرة إليه بأنّه سيتم قبعه من قصر العدل. وذهب "الحزب" أبعد من ذلك. عندما لم تُجْدِ تهديدات صفا ولا تهديدات نصرالله نفعًا وجّه تظاهرة إلى قصر العدل في 14 تشرين الأول 2021 من منطقة الطيونة حيث حصلت المواجهة مع القوى الأمنية وسقط عدد من القتلى من دون أن تحقّق المحاولة هدفها، بحيث أن القاضي البيطار استكمل تحقيقاته على رغم محاولة عرقلة عمله من خلال النيابة العامة التمييزية، التي كان يرأسها القاضي المدعى عليه غسان عويدات، ومن قبل وزير العدل التابع للتيار الوطني الحر الذي عمل بكل قوته على تعيين محقّق عدلي رديف للبيطار من دون أن ينجح في ذلك. في إطار هذه العلاقة مع القضاء والقانون، تأتي مندرجات قضية توقيف عنصرين من "حزب الله"، علي الكردي وهيثم أمهز، ينقلان نحو 500 كلغ من المتفجرات في شاحنة صغيرة على حاجز قوى الأمن الداخلي في ضهر البيدر في 5 تشرين الأول الماضي بالتزامن مع الكشف عن ضبط متفجرات وعبوات ناسفة موجهة وصواعق كان يتم تهريبها من سوريا إلى لبنان. جرت محاولات لعدم الكشف عن العملية وإقفال الملف وإطلاق الموقوفين، إلا أن تسريب الخبر إلى الإعلام بعد خمسة أيام، أفشل هذه المحاولة وأبقى معالجتها في إطار القضاء. ضغط "الحزب" بكل ثقله لإنهاء القضية وتبنّى ملكية هذه المتفجرات وهدّد عدد من نوابه الحكم والحكومة، ولكن من دون تحقيق الهدف. على رغم مطالبة وزير العدل عادل نصار