ما الحب؟ هل هو الانصهار بين اثنين وتلاشي أحدهما في الآخر؟ لا ترى ثريا بغدادي في حبيبها عبقريته. حبيبها المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي. لا تؤلّهه. لا ترسم حوله هالة تسحرها. ترى إنسانه. تبغي وصاله. تريده زوجًا حاضرًا، يهتم بها، يقضي معها الوقت، يتشارك معها الحياة. ثريا هي الراقصة الشغوفة والممثلة، وقبل كل ذلك، المرأة. وجدت حبيبها. تزوجا. لكن هل عاشت معه الحب؟ هل شعرت به؟ في فيلمه "ثريا، حبي"، يدخل المخرج نيكولا خوري(1989) عالم ثريا بغدادي على مهل، برقة وتروّ، لأنه عملياً يتلمّس قلبها. في شاشته الكبيرة، وجه يشع جمالًا وعينان تفيضان اشتعالًا وجاذبية، وهما ليسا سوى انعكاسٍ لروح بطلة الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (2025). يفتح خوري صناديق ذكريات ثريا، وزوجها الراحل الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان "كان" السينمائي عن فيلمه "خارج الحياة"(1991). لدى ثريا حسابات تصفيها مع مارون لأنه لم "يعرف ولم يستطع" الاعتناء بها حينما كان ذلك ممكنًا. ترفض الظهور كضحية. لا تريد أن تضيّع وقتًا في أفلامٍ تضعها في هذا الإطار. يقول محمود درويش "لا يكفِي أن تحبّ، فذلك فِعلٌ منْ أفعال الطبيعة السحريّة، كهطول المطرِ واشتعالِ البرق، يأخذكَ منكَ إلى مدار الآخر لتتدبّر أمركَ بِنفسِك. لا يكفي أن تحبّ، بل عليكَ أن تعرفَ كيفَ تحب". أحب مارون ثريا حبًا جمًا. لكن هل عرف كيف يحبها؟ تحدّث ثريا المخرج خوري كأنه صديق قريب تشاركه حديثها الداخلي مع نفسها ومساءلاتها لذاتها. تروي ثريا قصة تعارفها مع مارون. تعيد فتح الرسائل والصور. رحلة استعادة الذكريات برفقة المخرج الذي عرف كيف يكون أنيسها في هذه الجردة الشائكة والتي هي بعمر حياة. كان خوري مستمعًا متنبّهًا لكل ما تشاركه به. اعتنى بما تلقى ووضعه في قالب حسّاس وواقعي، حالم أحيانًا لكنه رغم قسوته صادق ومرهف، وموجع أيضًا. أرادت ثريا الاعتناء بنفسها أكثر، والبحث عما تريده هي، ودورها في هذه الحياة. كانت تعلم أن مارون يرغب لها الاعتماد على نفسها وخوض معاركها. اعتقدت أنها، من خلال الآخر، الزوج والحبيب، ستتعرّف على ذاتها. لكنها لم تشأ الاكتفاء بذلك. تذكر أنه تركها في باريس، قبيل ولادة ابنهما وكانت تريده إلى جانبها، لكنه سافر إلى بيروت وخطفه الموت بصورة مفاجئة. لم تسمح للخبر أن يصل إلى جنينها عندما تلقته. لولا حملها، كان يمكن لحزنها أن يكون عنيفاً كما تصف. حمت نفسها وطفلها من حزن صارخ. أخذت الخبر رشفةً رشفة. شعرت بمسؤوليتها تجاه طفلها قبل أن تفكر بنفسها وزوجها الذي خسرته. "أريد مزيدًا من العمر كي نلتقي"، يقول درويش. هذا ما أرادته ثريا مع مارون. أرادت وقتاً لهما، ليكون حاضرًا معها، موجودًا بأفعاله واهتمامه بها، وبحبهما الذي تصفه "رقيقًا، رومانسيًا، قويًا". ليس من السهل أن تجلس امرأة أمام شخص (عبر شاشة) وتشاركه أكثر أسرار قلبها حميمية وإيلامًا. أن تتكلم امرأة مثل ثريا عن حبٍّ كثيف تعيد قراءته في رسائل مارون، لكنها افتقدته وهو موجود ولا تستطيع الوصول إليه. يضع المخرج خوري أمام العيون قصة زوجة أحبّت زوجها، الفنان، الحالم. واختارته، كل مرة، رغم كل شيء، رغم البعد والفقد والاشتياق والبرودة والمسافات، رغم الانشغال والغضب والحزن. ثريا تكون، تبقى، وتستمر وتحب. ثريا أحبت مارون، ففعلت ومارست هذا الحب، أو كما تعرف أفعال الحب. لم تستعرض في هذ الفيلم، ولم تضفِ رومانسية على علاقتها الزوجية التي لا تشعر أن مارون أنصفها فيها. في انتظار أن يصنع مارون أفلامه، قال مخرج "همسات"(1980): "أنتظر لأصنع أفلامًا وتفوتني الحياة". فاته حب ثريا رغم أنه كان واعيًا لفكرة خوفه من أن يموت قبل أن يحبها. كانت تعتني به وبحبهما، وعندما غادر صارت تعتني بإرثه. كان يبحث عنها وهي إلى جانبه وأمامه. "ستظلين دومًا متعتي المؤجلة". بماذا رماها مارون؟ بكلماته؟ لم يحتج مزيداً من العمر "كي يعرف القلبُ أهله" كما يقول درويش. احتاج وقتًا أطول ووجودًا حاضرًا مع أهل قلبه. ثريا كانت كل أهله لكنه لم يسكنها كما سكنته. تسأل: بعد حب كهذا، أي حب يبقى لنستكشفه؟ بالنسبة إليها هو "الحب الكبير". تجد أنها "جلادها الوحيد وهي حبيسة نفسها". امتلكت الشجاعة لتقول ذلك لنفسها وبصوت عالٍ وأمام الكاميرا التي تسجّل. تعلم أنها تمنع نفسها من أخذ مكانها. "ثريا، حبي" فيلم يسائل الحب وفعله وتعبيراته. يضع المخرج نيكولا خوري من خلال ثريا، الإنسانة، المرأة، الراقصة، الممثلة، الحبيبة، الأم، والجدّة، أسئلة الحياة العادية واليومية عن الوصال وأشكاله والذكريات الموجعة والحداد والحزن والانكسار وفقدان الحبيب في حياته، وقبل رحيله الأبدي. "ثريا، حبي"، مساءلة واقعية للذات عمّن تحب وكيف تحب، وعن صدق الاعترافات الشخصية وجَلد النفس وتقبلها والغفران. (*) يعرض في سينم