في فلسفة بول فيريليو، لا يُعَدُّ حادث السيارة مجرد واقعة عابرة أو خطأ بشريًا، بل هو مفهوم فلسفي جوهري يُثبت نظريته القائلة بأن "كل تقنية جديدة تخترع معها حادثها الخاص". وقبله كان مفهوم "موت الإنسان" عند ميشيل فوكو، الذي طرحه بصورة رئيسية في كتابه الشهير "الكلمات والأشياء"، لا يعني الفناء البيولوجي أو الجسدي للبشر، بل يقصد به "نهاية الإنسان بوصفه مركزًا متعاليًا للمعرفة وموضوعًا مطلقًا لها". وقد ترافقت هذه المفاهيم مع أحاديث كثيرة حول أن الإنسان ضحية ذكائه، خصوصًا في اختراعاته، وحول "التقدّم نحو الكارثة" (عنوان بلال خبيز). وليس هذا الكلام إلا توطئة لنقاش عابر حصل في المقهى حول الذكاء الاصطناعي ذات مساء. وكان السؤال: هل يمكن الاعتماد عليه أم علينا تجنّبه؟ وما إيجابياته وما سلبياته؟ مع التلميح إلى أن كتابات بعض الناس قبل إطلاق الذكاء الاصطناعي تشبه الذكاء الاصطناعي. وكان النقاش بين من لم يستعمل الذكاء الاصطناعي، ومن يرفضه، ومن يراقب نتائجه من دون الانغماس فيه. بعد ذلك وصلت إلى البيت، وكان لديّ فضول أن أسأل الذكاء الاصطناعي: هل هو خطر؟ ويُرجَّح أن كثيرين طرحوا السؤال نفسه قبلي. فكان جوابه متأرجحاً: نعم ولا. والاثنان صحيحان في الوقت نفسه. وأضاف أن السؤال ليس: "هل الذكاء الاصطناعي خطر؟"، بل السؤال الصحيح هو: "خطر على من؟ وخطر ممن؟" لأن الذكاء الاصطناعي وحده ليس خطرًا. هو مثل الكهرباء. مثل السكين. مثل الكتاب. وكان لافتًا بالنسبة إليّ أنه ذكر الكتاب.(فمن ينسى أن الثورة الثقافية وملايين الضحايا في الصين كانت مقدمتها كتاب ماو؟ ومن يمكنه أن ينكر أن الكثير من الحروب والأعمال الإرهابية تنطلق من كتاب؟) ولكي يبرّر الذكاء الاصطناعي لنفسه تطرّق إلى أن الكنيسة قالت إن المطبعة خطر، والدولة قالت إن الجريدة خطر. كل شيء جديد يقولون عنه خطر. لكن الذكاء الاصطناعي يختلف بأمر واحد: هو أول شيء من صنع الإنسان يستطيع أن يصنع مثل الإنسان، وأسرع من الإنسان. كان الجواب أشبه بمتاهة، ووضع في مقدمة أخطاره "أنه خطر على العمل، لا على البشرية"، وذكّرنا هنا بمقولة "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق". وقال إن هذا هو الخطر الذي يحدث الآن، وليس بعد عشرين سنة. الذكاء الاصطناعي لن يقتل بالروبوتات. سيقتل العمل بهدوء. المترجم، والمحاسب، والمصمّم، والصحافي، حتى الشاعر... كلهم سيجدون أنفسهم ينافسون آلة تعمل مجانًا، أربعًا وعشرين ساعة، بلا تعب، بلا أرق، بلا نوم. الشاعر يكتب قصيدة في أسبوع، أو شهر، مع عشرات فناجين القهوة. والذكاء الاصطناعي يكتب ألف قصيدة في ثانية. والمشكلة ليست في أن قصائده أجمل. المشكلة أن الناس سوف يتوقفون عن التمييز، وسوف يتوقفون عن الدفع. هذا خطر على المجتمع، ليس لأنه سيدمّر، بل لأنه سيجعل كثيرين بلا قيمة اقتصادية. ورجل بلا عمل، بلا قيمة، هو أخطر من روبوت. على أن الذكاء الاصطناعي يبدو سويعاتياً، يعلق على جوابه المذكور: "هذا فصل مصطنع. العمل ليس مجرد راتب. في المجتمع الحديث، العمل هو الهوية، والكرامة، والانتماء، والوقت. عندما تقول: سيقتل العمل بهدوء، فأنت تقول ضمنًا: سيقتل البشرية بهدوء. لا يوجد خطر على العمل منفصل عن خطر على البشرية". وضيف هناك خطر على الحقيقة. ففي السابق، إذا رأى المرء صورة صدّقها. وإذا سمع صوتًا صدّقه. وإذا قرأ مقالًا صدّقه قليلًا وبحث في تأويله وتخميناته ومصادره. أما الآن، فالذكاء الاصطناعي يستطيع صنع صورة مزيفة، وصوت مزيف، وفيديو مزيف، ومقال مزيف، ولا يستطيع المرء أن يعرف. و"في بلد مثل لبنان، وكل طائفة لديها حقيقتها، وكل حزب لديه إعلامه، سيكون الذكاء الاصطناعي سلاح حرب أهلية جديدًا". هذا هو الخطر: ليس أن الآلة تكذب، بل أننا نتوقف عن معرفة ما هو الصدق. وهناك خطر على التفكير. هذا هو أخطر خطر، وأهدأ خطر. عندما تصبح تسأل الذكاء الاصطناعي عن كل شيء، فأنت تتوقف عن التفكير. تتوقف عن قراءة كتاب. وتتوقف عن كتابة قصيدة. وتتوقف عن التعب.الذكاء الاصطناعي يعطيك الجواب جاهزًا، مرتبًا، جميلًا. فلماذا تريد أن تتعب؟ لكنه يقول أيضا إذا أزلت التعب، أزلت الإنسان. ويسأل مستر AI: أين الفرصة؟ فيجيب: هناك أيضًا ثلاث فرص: فرصة للمتعبين: يعطيهم الذكاء الاصطناعي وقتًا ليرتاحوا. يقوم بالعمل الممل، ويترك لهم العمل الحقيقي: التفكير، والشعور، والكتابة، والقراءة. إذا استعملته بشكل صحيح، فهو ليس خطرًا. هو خادم. فرصة للفقير: في السابق، إذا كنت في ضيعتك، وليس عندك مدرسة جيدة ولا مكتبة، ولا أستاذاً، الآن مع هاتف، عندك كل كتب العالم، وكل الأساتذة، وكل اللغات. الذكاء الاصطناعي يساوي الفرص بطريقة لم تفعلها أي ثورة. "هذا ليس خطرًا. هذا خلاص". فرصة للحقيقة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع الكذب، فهو أيضًا يستطيع كشف الكذب. يقدر على الترجمة والمقارنة والفضح. المشكلة ليس