جيسي تابت ترسم في لوحاتها لبنان بكل ألوانه لبنان فسيفساء من التناقضات الجميلة (الخدمة الصحافية) في وطن أنهكته الأزمات، تبقى الألوان قادرة على أن تروي حكاية الحياة وتفتح نافذة للأمل وسط العتمة. فمن ذاكرة لبنان الغنية بتفاصيلها، وطبيعته التي تجمع المتناقضات في مشهد واحد، تستلهم الرسامة جيسي تابت أعمال معرضها الفردي "Lebanon in Every Shade"، الذي يستضيفه مركز "Rebirth Beirut" في الجميزة حتى 14 تشرين الثاني الجاري، بإشراف القيّم الفني غبريال رزق الله. وتخصّص الفنانة جزءًا من عائدات المعرض لدعم مبادرات المركز الهادفة إلى تحسين المشهد الحضري لبيروت وإعادة الضوء إلى شوارعها، ليصبح اقتناء إحدى لوحاتها مساهمة في هذه الجهود، إلى جانب قيمته الفنية. "ليس لبنان لونًا واحدًا، ولا حكاية يمكن اختصارها بمشهد أو صورة"، هكذا تعبّر الفنانة جيسي تابت عن رؤيتها للبنان في حديثها مع "نداء الوطن". تعتبره فسيفساء من التناقضات الجميلة، وذاكرة تختزن آلاف التفاصيل، وطبيعة تتبدّل ملامحها بين البحر والجبل، وبين دفء الشمس وصلابة الصخور، وبين عراقة الحجارة القديمة وحيوية الشوارع التي لا تفقد نبضها. وتنعكس هذه الرؤية في عنوان المعرض الذي يتجاوز حدود التسمية، ليختصر رحلة حب طويلة مع وطن غني بألوانه وتفاصيله وأرواحه. ولا تكتفي تابت بتقديم مجموعة من اللوحات المستوحاة من المشهد اللبناني، بل تسعى إلى التعبير عن وجوه متعددة لهوية وطنها، فتُبرز في كل عمل جانبًا مختلفًا منها، وتمنح المساحات اللونية قدرة على استحضار إحساس أو ذكرى أو حكاية. في أعمال جيسي تابت، تبدو الألوان لغة قائمة بذاتها، وأداة للتعبير عن جمال لبنان وتناقضاته وروحه. ولا تقيّد الفنانة نفسها بمجموعة لونية محددة، بل تختار لكل لوحة ألوانها الخاصة، وفقًا لما تحمله من إحساس وما تريد التعبير عنه من تفاصيل. لذلك، لا ترتبط بدرجة مفضّلة ثابتة، إذ يتبدّل اختيارها مع كل عمل، وكأن لكل لوحة شخصيتها المستقلة وعالمها الخاص. وتبرز الألوان الزاهية والمفرحة بوصفها إحدى السمات اللافتة في تجربتها الفنية؛ فهي بالنسبة إليها تعبير عن الطاقة الإيجابية وقدرة الإنسان على رؤية النور حتى في أقسى الظروف. ومن خلال هذه الدرجات المضيئة، تمنح لوحاتها الفضاء اتساعًا وبهجة، وتعيد إلى العين متعة التأمل، وإلى الروح شيئًا من الدفء والتفاؤل. غير أن هذا الخيار لا تحكمه الاعتبارات الجمالية وحدها، بل يحمل أيضًا موقفًا وجدانيًا من واقع لبنان وما مرّ به من أزمات وتحديات. فالفن، وفق رؤية تابت، أحد أسمى أشكال المقاومة في بلد يرفض الاستسلام لليأس. ومن هذا المنطلق، لا يشكّل اختيار الألوان المشرقة تجاهلا للواقع أو محاولة للهروب منه، بل إعلانًا عن إرادة البقاء، وتأكيدًا أن الروح الإبداعية قادرة على مواجهة الظروف التي تحاصرها. تتمنى تابت أن يجد زائر معرضها أمام كل لوحة مساحة من الأمل والدفء، وأن يتجاوز تفاعله معها حدود المشهد البصري ليصل إلى الذاكرة والوجدان. فهي تريد أن تنقل طاقة لبنان الروحية وقدرته الاستثنائية على النهوض من بين الرماد، وأن تقدّمه وطنًا جميلا وعريقًا ونابضًا بالحياة، تختزن أرضه ذكريات وروابط إنسانية عميقة. ومن خلال أعمالها، تدعو المتلقي إلى استعادة الإحساس بجمال هذا الوطن المتجذّر في وجدان أبنائه، والنظر إليه بعين الحب والاعتزاز. ويكتسب "Lebanon in Every Shade" أهمية خاصة في مسيرة جيسي تابت، إذ يأتي تتويجًا لسنوات من العمل والتأمل والبحث في الهوية والذاكرة البصرية. كما يتميّز بمساحته وتنوّع لوحاته التي تتآلف ضمن رؤية فنية واحدة، وتأخذ الزائر في جولة متسلسلة عبر مشاهد من لبنان وتفاصيله. وقد وضعت الفنانة في هذا المشروع خلاصة خبرتها وشغفها، لتقدّم تجربة شخصية وحميمة تتقاطع فيها رؤيتها الفنية مع ارتباطها العاطفي بوطنها. أما التحضير لهذا الحدث، فشكّل رحلة طويلة ومكثفة تطلّبت جهدًا إبداعيًا وتنظيميًا متواصلا، بدءًا من إنجاز العدد الكبير من اللوحات، بما تتضمّنه من تفاصيل نسيجية وتقنيات فنية، وصولا إلى تخطيط المعرض ومتابعة جوانبه الفنية واللوجستية. وقد تولّى غبريال رزق الله مهمة تنظيم المعرض بصفته القيّم الفني (Curator)، مساهمًا في تقديم المشروع ضمن رؤية متكاملة. وكان التحدي الأكبر، بحسب الفنانة، الحفاظ على الشغف والتركيز ومواصلة العمل الإبداعي وسط ضغوط الحياة والظروف المحيطة. في المحصّلة، يبدو معرض "Lebanon in Every Shade" أكثر من لقاء بين فنانة ولوحاتها وجمهور يتأملها. إنه احتفاء بوطن لا تنضب حكاياته، ولا تختصر هويته صورة واحدة، رغم كل ما يمرّ به من تحديات. وبين لون وآخر، وبين مشهد وذكرى، تكتب تابت رسالة حب إلى لبنان، وتؤكد أن الأمل ليس مجرد شعور ننتظره، بل خيار نصنعه ونعبّر عنه ونحافظ عليه. من لوحات المعرض (الخدمة الصحافية) ب