يشكّل إخلاء السبيل الوجوبي المنصوص عليه في المادة الخامسة من قانون العفو رقم 70 استثناءً على القواعد العامة التي ترعى التوقيف الاحتياطي وإخلاء السبيل في القضايا الجزائية، ذلك أنه ينزع عن المحكمة سلطتها التقديرية في تقرير إخلاء سبيل المدعى عليه أو إبقائه موقوفًا، ويُلزمها بإخلاء سبيله حكمًا، من دون قيد أو شرط، متى توافرت الشروط التي حددها المشرع في هذه المادة. غير أن تحديد نطاق تطبيق هذا النص، ولا سيما في الحالات التي يكون قد صدر فيها حكم في القضية قبل أن يُنقض وتُعاد المحاكمة من جديد، يقتضي عدم الوقوف عند المعنى الحرفي لعباراته فحسب، بل العودة إلى الأسباب الموجبة التي حدت بالمشرع إلى إقراره، واستجلاء الغاية التي توخاها منه، باعتبار أن النصوص القانونية ينبغي أن تُقرأ في ضوء مقاصدها، وأن يُعتمد، عند احتمالها أكثر من تفسير، التفسير الذي يحقق الغاية التي وُضعت من أجلها، لا الذي يؤدي إلى تعطيلها. فقد نصت المادة الخامسة، وفقًا للصيغة موضوع البحث، على ما حرفيته: "استثنائيًا، وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، والتي لم يصدر فيها أي حكم، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يُخلى سبيل المدعى عليه حكمًا وتستمر محاكمته وفقًا للأصول القانونية". وغنيّ عن البيان أن المشرع، عندما تحدّث عن الجرائم التي لم يصدر فيها أي حكم، إنما قصد بذلك الدعاوى التي لم يصدر فيها أي حكم، باعتبار أن الأحكام القضائية لا تصدر في الجرائم بحدّ ذاتها، وإنما في الدعاوى الناشئة عنها. كما أن صدور الحكم يفترض بالضرورة إجراء محاكمة وفقاً لأصول وإجراءات محددة قانوناً، يتصل بعضها بالنظام العام، ولا تجوز مخالفتها أو تجاوزها لأي سبب كان وتحت أي ظرف من الظروف. ويترتب على ما تقدّم أن الكلمة المفتاحية في نص المادة الخامسة من قانون العفو العام هي "المحاكمة"، باعتبارها الإطار الإجرائي الذي يصدر الحكم في سياقه، والذي يتعيّن بالتالي الرجوع إليه لتحديد المقصود بعبارة "لم يصدر فيها أي حكم" وتفسير نطاق تطبيق هذه المادة وآثارها القانونية. ويُستفاد من نص المادة المذكورة أن المشرع أخضع إخلاء السبيل الوجوبي لثلاثة شروط متلازمة، أولها أن تكون الجريمة قد ارتُكبت قبل الأول من آذار من العام 2026، وثانيها أن تكون مدة توقيف المدعى عليه قد تجاوزت اثنتي عشرة سنة سجنية، وثالثها ألا يكون قد صدر أي حكم في القضية. ولئن كان التحقق من توافر الشرطين الأول والثاني لا يثير، من حيث المبدأ، صعوبة تُذكر، باعتبار أن تاريخ ارتكاب الجريمة واقعة مادية يمكن التثبت منها، وأن مدة التوقيف يمكن احتسابها وفقًا للقواعد القانونية المتعلقة بالسنة السجنية، فإن الشرط الثالث، المتعلق بعدم صدور أي حكم في القضية، يستدعي التوقف عنده بصورة خاصة، نظرًا إلى ما يمكن أن يثيره من إشكاليات قانونية تتصل بمدى تأثير صدور حكم سابق جرى نقضه لاحقًا على حق المدعى عليه في الاستفادة من إخلاء السبيل الوجوبي. أولا: في الغاية التي توخاها المشرع من إقرار إخلاء السبيل الوجوبي إن العودة إلى الأسباب الموجبة لقانون العفو، تُظهر أن المشرع أراد، من خلال المادة الخامسة، معالجة إحدى الإشكاليات المزمنة التي يعاني منها مرفق العدالة الجزائية، والمتمثلة في بطء سير المحاكمات واستمرار توقيف بعض المدعى عليهم سنوات طويلة دون أن يصدر أي حكم يفصل في القضايا الملاحقين بها. وقد انطلق المشرع في معالجته لهذه الإشكالية من مبدأ أساسي من مبادئ العدالة الجزائية، يتمثل في حق كل شخص في أن تجري محاكمته ضمن مهلة معقولة، وهو حق كرسته المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي مقدمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي نص في المادة التاسعة، الفقرة الثالثة، على حق الشخص الموقوف في أن يُحاكم خلال مدة معقولة أو أن يُفرج عنه، كما نص في المادة الرابعة عشرة، الفقرة الثالثة، على حق المتهم في أن يُحاكم دون تأخير لا مبرر له. ومن المعلوم أن التوقيف الاحتياطي ليس عقوبة بحد ذاته، وإنما هو تدبير استثنائي تبرره اعتبارات محددة تتصل بحسن سير العدالة ومقتضيات التحقيق والمحاكمة، ولا يجوز أن يتحول، بفعل إطالة أمد الإجراءات القضائية، إلى عقوبة فعلية تُنفذ بحق شخص لم يُفصل بعد في مسؤوليته الجزائية. ومن هذا المنطلق، فإن المشرع، عندما نص على وجوب إخلاء سبيل المدعى عليه حكمًا إذا تجاوزت مدة توقيفه اثنتي عشرة سنة سجنية دون صدور أي حكم في قضيته، يكون قد اعتبر أن استمرار التوقيف طوال هذه المدة، دون التوصل إلى إصدار حكم، يشكّل تجاوزاً للحد الزمني الذي ارتأى اعتماده لتبرير الإخلاء الوجوبي. ولا يعني ذلك أن مدة الاثنتي عشرة سنة السجنية تشكّل، بحد ذاتها، مهلة معقولة وفقًا للمعايير الدولية، إذ إن تقدير معقولية مدة المحاكمة يخضع، في الأصل، لاعتبارات متعددة تتصل بطبيعة