لبنان 2045: يجب ألّا يفاجئنا السلام ونحن بلا مشروع 7 تشرين الثاني 2026 · 01:10 ص قراءة في 5 دقائق حجم الخط يمرّ لبنان بمرحلة من أصعب المراحل في تاريخه. فالسلاح الخارج عن سلطة الدولة، والوجود العسكري الأجنبي على أراضيه، والتوترات الإقليمية، وتداعيات الانهيار الاقتصادي والمالي، تشكّل تحدّيات تعرقل نهوضه وتضع مستقبله أمام امتحان مصيري. ولا يمكن تصوّر إعادة إعمار مستدامة من دون استعادة السيادة، وتوفير الأمن، وقيام مؤسسات قادرة على تحمّل مسؤولياتها. ولكن، هل علينا انتظار حلّ جميع هذه الأزمات حتى نبدأ بالتحضير للمستقبل؟ بالتأكيد لا. فلا يجوز أن يأتي السلام ويجدنا من دون مشروع جاهز للنهوض بلبنان. يشهد العالم اضطرابات وتحوّلات عميقة تتجاوز الشرق الأوسط. وحتى الدول الصديقة، ولا سيما دول الخليج العربي التي تربطنا بها علاقات تاريخية وأخوية راسخة، تواجه تحدّياتها وأولوياتها الخاصة. لذلك، لا يستطيع لبنان أن يبني مستقبله على انتظار المساعدات الخارجية وحدها. عليه أن يعتمد أولاً على موارده وكفاءاته، وعلى الطاقات الهائلة التي يمتلكها أبناؤه المنتشرون في العالم. وهذا لا يعني الاستغناء عن شركائنا العرب والدوليين، بل أن نكون أصحاب المبادرة، فنقدّم إليهم برامج جدّية ومؤسسات موثوقة ومشاريع مدروسة تستحق الاستثمار. هذه القناعة شكّلت أحد دوافع المؤتمرات الاقتصادية الدولية «YES WE CAN - نعم نستطيع»، التي نُظّمت لثلاث سنوات متتالية في جامعة بيروت العربية بطرابلس، بمبادرة من جمعية HALFA، «رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا»، وبالتعاون مع شركاء جامعيين واقتصاديين ومؤسساتيين. وقد عُقدت الدورة الثالثة يومَي 26 و27 أيار 2025، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ممثّلاً في الافتتاح بوزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي. وشهد المؤتمر مشاركة عدد من الوزراء، إلى جانب جامعيين ورجال أعمال وممثلين عن الانتشار اللبناني، حيث أُثيرت ملفات أربعة مرافق استراتيجية في شمال لبنان عانى بعضها التعثّر طوال عقود: مرفأ طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات. وقد أتاح حضور الوزراء وإصغاؤهم المباشر مناقشة هذه الملفات بروح عملية. وبعد أسابيع من المؤتمر، شهد بعضها خطوات حكومية ملموسة، من بينها متابعة ملف مطار القليعات وتعيين مجلس إدارة جديد لمعرض رشيد كرامي الدولي خلال صيف 2025. ولا يجوز نسب هذه القرارات إلى مؤتمر واحد، فهي ثمرة جهود رسمية ومهنية متعددة. غير أن تتابعها يبرز أهمية الحوار بين الدولة وأصحاب الاختصاص والجامعيين والانتشار اللبناني، فيما تواصل الفرق المعنية العمل لتحويل القرارات إلى إنجازات. ومن أبرز المشاركين في هذه المؤتمرات الدكتور كميل الجبيلي، الذي أسهمت أفكاره حول التنمية والثقة والقيادة في بلورة طموح وطني أوسع. وفي امتداد هذه اللقاءات والنقاشات، تبلورت مبادرته «رؤية لبنان 2045»، بمشاركة مواطنين لبنانيين من مختلف المكوّنات ومن الانتشار، يجمعهم الولاء للبنان، والكفاءة والنزاهة وروح البناء، والتفاؤل بالمستقبل والاستعداد للعمل. إنها رؤية تتجاوز الأشخاص والمصالح الفردية والحسابات الحزبية والطائفية، وتسعى إلى ألّا يبقى مستقبل الأجيال رهينة أزمات الحاضر والفساد والانقسامات. وتنطلق من قناعة بأن لبنان لا يُعاد بناؤه بالأموال وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الإنسان اللبناني، وتعزيز المواطنة والثقة والمسؤولية والأخلاق والشفافية وثقافة الإنجاز والمحاسبة. وفي إطار هذه الرؤية البعيدة المدى، يمكن اقتراح خطة عملية قريبة المدى للنهوض الاقتصادي والمالي، بأهداف مرحلية واضحة ومصادر تمويل محددة، يبدأ التحضير لها منذ اليوم، من دون انتظار التسوية النهائية للأزمات الإقليمية. تبقى التوجهات الوطنية الكبرى من مسؤولية السلطة السياسية، أما تنفيذ المشاريع وإدارة المرافق فيجب أن يُعهدا إلى أصحاب الكفاءة والخبرة، بعيداً عن المحاصصة والتدخّلات الحزبية، ووفق معايير شفافة للمساءلة والنتائج. ويمكن دراسة إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، شرط تحديد صلاحياتها وتمويلها وآليات الرقابة عليها، حتى لا تصبح مؤسسة إضافية بلا فاعلية. لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى من دون معالجة الأزمة المصرفية وتحديد المسؤوليات المالية للدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية. ولا بدّ من دراسة موجبات الدولة تجاه مصرف لبنان، ولا سيما في ضوء المادة 113 من قانون النقد والتسليف، ووضع برنامج واقعي ومموّل لمعالجة حقوق المودعين واسترداد ودائعهم، مع تحديد مصادر التمويل والمراحل الزمنية. فإعادة الهيكلة لا تتحقق بمجرد إصدار القوانين. إنها تحتاج إلى موارد حقيقية وجواب