قلة الإدراك وانعدام الكفاءة يقضيان على القدرة مهما كانت كبيرة. هذا تماماً ما حدث مع دونالد ترامب، الذي يحاول التعويض عن حروبه بحرب التغريدات. حرب التغريدات تقابلها حرب التسريبات من قبل الطرفين. وللتسريبات أوجه متعددة، تارة ترتبط بضخ أجواء إيجابية، وطوراً يكون هدفها التصعيد والتهديد خدمةً لمسار التفاوض. نرجسية ترامب تحشره في مراهقة سياسية تجلّت في تعليقاته على هزيمة حزبه الانتخابية، عندما قال إن اسمه لم يكن موجوداً على أوراق الاقتراع، ولو كان اسمه مكتوباً لكان الفوز حليفه. حتماً، لا يليق ذلك بأميركا ولا برئيسها. وما لا يليق بها أيضاً، هو مقاربة الحرب الفعلية بحرب التسريبات التي عادت مئات السنين إلى الوراء والارتكاز على علم الأفلاك والنجوم وما تقدم من تسريبات حول مواعيد الحرب في الأسبوع الأول من تشرين الثاني، أو في الأسبوع الثاني منه، إذ إنَّ ما تسرّب تتبع مسار دخول القمر في طور المحاق، واعتبار أن انخفاض ضوء القمر سيكون ملائماً لتنفيذ العملية العسكرية. كل ذلك هو نتاج لانعدام الرؤية الواضحة أو الخطة المتكاملة لما يريد ترامب أن يفعله أو يحققه. همّه زيادة أرباح الاقتصاد الأميركي، ولو لم ينعكس ذلك بشكل مباشر على المجتمع، بل على كبريات الشركات. وهمّه أيضاً السيطرة على النفط بمنابعه وممراته، وهو ظنّ أن بإمكانه تكرار نموذج فنزويلا في إيران، لكن الأمر غير قابل للتطبيق، وربما ما كان يظنه ترامب هو الدخول في معركة سريعة ضد إيران، يتمكن فيها من تغيير موازين القوى وربما تغيير النظام باغتيال قادته ومسؤوليه، فاصطدم بنتيجة معاكسة، وبالتشدد الإيراني الأكبر، عندها اتجه نحو التفاوض ووقف النار، فوقع اتفاقاً كان يصب في المصلحة الإيرانية الكاملة، سرعان ما عاد وتراجع عنه. الحرب التي خاضها ترامب تعاطى معها كما تعاطى مع حرب الـ12 يوماً في العام 2025 ضد إيران، وعندما تدخلت أميركا فيها في اليوم الأخير ووجهت ضربة إلى منشآت نووية، اعتبر حينها أنه قضى على المشروع النووي الإيراني، بينما لا يزال إلى اليوم يكرر تصميمه على تدمير المشروع النووي الإيراني. الخطورة تكمن في أن يعيش المرء في حالة حرب افتراضية، فتتملكه ويعود إليها واقعياً، ويبقى هذا احتمالاً قائماً بالنسبة إلى ترامب ونتنياهو أيضاً، في إطار تحالف بين خاسرين يسعيان للتعويض عن الخسارة، ما يعني إبقاء المنطقة كلها تحت خطر الحرب الواسعة والمدمرة، لكن النتيجة تبقى غير مضمونة، لا سيما أن ترامب دخل الحرب ضد المشروع النووي الإيراني، بينما تتركز المفاوضات اليوم على فتح مضيق هرمز، والأزمة التي أحدثها وتضررت منها دول المنطقة، بينما استخدمتها إيران كورقة قوة لمقارعة أميركا والاقتصاد العالمي. عودة ترامب إلى الحرب الفعلية، ستدخل المنطقة في حالة جهنمية، أما انكفاؤه بفعل الهزيمة وخسارة حليفه بنيامين نتنياهو، فسيدفعانهما إلى حرب من نوع آخر على المستوى السياسي، وهو ما سيترجم مزيداً من الضغوط على دول المنطقة. أولاً من خلال تسريبات جديدة يتحدث فيها الأميركيون عن تراجع اهتمامهم بملفات المنطقة، وضرورة التقارب مع إسرائيل، وأول من تبلغ بذلك هم المسؤولون اللبنانيون الذي تلقوا رسائل واضحة بأن الاهتمام الأميركي بلبنان سيتراجع، وعلى الدولة اللبنانية أن تتقارب أكثر مع إسرائيل لتعزيز وضعها وسلطتها، وقد تترك واشنطن المنطقة لمصيرها، وخصوصاً في الخليج حيث تتخلى عن التزاماتها مع دوله مقابل استفادة إيران من الواقع الحالي لتهديد الخليج أكثر فأكثر، فتهدف واشنطن من ذلك إلى دفع الخليج نحو إسرائيل، والسيناريو ذاته سيفرض نفسه على سوريا. بذلك تكون واشنطن قد عادت إلى نظرية الصفائح في المنطقة أي التوازن بين الصفيحة التركية، والإيرانية والإسرائيلية في هذه المنطقة الزلزالية، على أن يكون ذلك على حساب العرب، ما يعطي هامشاً أوسع لإسرائيل. على مستوى لبنان، الحرب السياسية ستبقى مستمرة، سواء من خلال التهديد بالعقوبات وفرضها، أو من خلال التشديد الأميركي على ضرورة مواصلة الضغط على حزب الله أو على مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين، في سبيل السعي إلى فصل ملف لبنان عن إيران وتفكيك الحزب ومؤسساته في الداخل. أما المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي يبدو أنها دخلت حالة موت سريري في هذه المرحلة، فإن واشنطن ستتابع ضغوطها في سبيل فصل المسار السياسي للاتفاق على المسار التنفيذي، إذ إنَّ كل المعطيات لدى الأميركيين تشير إلى رفض الجيش اللبناني تنفيذ متطلبات الاتفاق والدخول في مواجهة مع حزب الله لسحب سلاحه، بينما ستسعى واشنطن إلى إقرار اتفاق الإطار في مجلس الأمن الدولي كقرار ناظم للعلاقة بين لبنان وإسرائيل على طريق الدفع باتجاه اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل يريده ترامب قبل انتهاء ولايته، مع ما يعنيه ذلك من احتمالات لتفجير الوضع الداخلي. هنا سيكون لبنان مجدداً أمام خطر