في عمق جنوب لبنان الذي مزقته الحرب، وعلى بعد بضع مئات الأمتار فقط من مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية، تحاول عناية سلطان جاهدة أن تعيش حياة طبيعية بالنسبة لفتاة في الثالثة عشرة من عمرها، وتصنع أساور من الخرز لأختها غير الشقيقة ملاك البالغة من العمر أربع سنوات، وتحلم بدراسة الطب وتقضي وقتها مع الفتيات اللواتي تعيش معهن في دار للأيتام في بلدة تبنين الجنوبية، وتطلق عليهن بمحبة وصف صديقاتها المقربات. وتأسست دار الأيتام العام 1978 خلال الاحتلال العسكري الإسرائيلي السابق لجنوب لبنان، وتوفر ملاذاً لفتيات فقدن أحد الوالدين أو كليهما أو بلغ بأسرهن الفقر إلى درجة عدم القدرة على رعايتهن، حسبما نقلت وكالة "رويترز". واستشهد والد عناية وملاك، الذي كان يعمل مسعفاً، في غارة إسرائيلية على بلدتهما في الجنوب في آذار/مارس الماضي، بعد أقل من أسبوعين من اندلاع الحرب من جديد بين إسرائيل و"حزب الله" بالتزامن مع الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران. وتعيش الفتاتان حالياً في دار أيتام تبنين، التي تستضيف نحو 40 فتاة أخرى يحاولن إيجاد واحة من الدفء والحياة الطبيعية قرب "الخط الأصفر" الذي يحدد منطقة احتلال إسرائيلي في جنوب لبنان. وخلال النهار، تذهب الفتيات إلى المدرسة في تبنين، وتوفر دار الأيتام لهن الزي المدرسي والحقائب ووجبات الغداء. وفي الليل، تضع عناية أختها ملاك في سريرها وتغطيها. وقالت عناية "أحياناً، عندما يبدأ القصف، تعانقني وتقول لي: لقد قصفوا أبي"، في إشارة إلى قلق الصغيرة من أصوات الغارات والهجمات. وأضافت: "حينها أشعر برغبة في البكاء، فأبكي قليلاً لأخفف عن نفسي. لكنني لا أبكي أمام أختي، لأن ملاك تبدأ بالبكاء أيضاً وتقول لي أنها تريد والدها، وتسألني لماذا أبكي. لذلك أحاول أن أتماسك من أجلها"، مضيفة أن ملاك تريد أن تصبح إطفائية أو مسعفة كي تسير على خطى والدها. وقالت وزارة الصحة اللبنانية أن أكثر من 4 آلاف شخص استشهدوا في غارات إسرائيلية في البلاد منذ آذار/مارس، بينهم أكثر من 700 من المسعفين والأطفال والنساء، فيما أعلنت إسرائيل من جانب واحد السيطرة على "منطقة أمنية" في جنوب لبنان لحماية السكان في مناطقها الجنوبية من هجمات المسلحين عبر الحدود. ونفى الجيش الإسرائيلي استهدافه للبنية التحتية المدنية عمداً، لكنه اتهم "حزب الله" بنشر معدات عسكرية في المناطق المدنية، وهو ما تنفيه الجماعة. ورغم انخفاض حدة الأعمال القتالية منذ وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو، مازالت القوات الإسرائيلية تحتل مساحات واسعة من الجنوب، حيث سوت عشرات القرى والبلدات بالأرض. وألحقت تلك الحملة أضراراً بجسور ومستشفيات ومدارس وغيرها من البنى التحتية العامة. ويصعب الهروب من واقع الحرب في دار الأيتام، التي تضررت جراء غارة إسرائيلية على مبنى مجاور خلال حرب سابقة بين إسرائيل و"حزب الله" العام 2024. حينها، تم إجلاء الفتيات بأمان. ومنذ ذلك الحين، جمعت دار الأيتام تبرعات بشق الأنفس لإصلاح طابق واحد فقط، وحولت المناطق المشتركة إلى غرف نوم لأن الطابق العلوي تعرض لأضرار بالغة. أما الطابق السفلي، الذي كان مسرحاً تغني فيه الفتيات في جوقة أو يستقبلن الضيوف، فمازال ركاماً. وقالت شيرين سعد (19 عاماً)، التي قضت معظم حياتها في دار الأيتام: "إنه أمر محزن جداً. مرت كل ذكرياتي أمام عيني في لحظة واحدة، وهذا يؤلمني كثيراً، لأن كل لحظة وكل غرفة وكل مكان هنا يحمل ذكرى خاصة بالنسبة إلي". تدرس شيرين التصميم الداخلي في جامعة محلية وتأمل في مواصلة دراستها العليا في إيطاليا، وهي خطط قالت أنها ربما تتعثر بسهولة بسبب الصراع. وتابعت: "هناك أمور ربما أخطط لها في مستقبلي، لكنها ربما لا تتحقق. لذلك لا أريد أن أرفع سقف توقعاتي كثيراً، فربما لا تسير الأمور كما أتمنى". وقالت فاطمة الجفال (30 عاماً)، المشرفة في دار الأيتام أن الفتيات أجلين مرة أخرى خلال حرب هذا العام، وعدن ليجدن القوات الإسرائيلية متمركزة على بعد أقل من كيلومتر واحد، وأن أيام حياتهن يعكرها دوي الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل. وأضافت أن كثيراً من ذلك بدا وكأنه أصبح طبيعياً بعد مرور أشهر على الحال نفسها. وأضافت الجفال: "أدركن أن الحياة يجب أن تستمر. لا يمكننا أن نوقف حياتنا أو نجلس مكتوفي الأيدي في انتظار ما سيحدث. علينا أن نواصل حياتنا، فنحن أقوى من هذه الظروف بكثير، وأقوى من أن نبقى جالسين ننتظر". وتقع بلد الجفال، رشاف، داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل، ودار الأيتام هي منزلها أيضاً مثل الفتيات. وقالت: "ما الصعوبات التي قد يواجهنها إذا لم يكن هنا؟ لهذا المكان أهمية كبيرة، فهو يحمي الفتيات ويؤمن مستقبلهن وحياتهن الاجتماعية". من جهته، قال مدير دار الأيتام علي سعد أن المؤسسة نفسها تعاني من صعوبات جمة. وأدى الانهيار المالي في لبنان