بين خيام النازحين وأكوام الركام بمدينة غزة، تتنقل الشابة الفلسطينية سوسن السلطان، حاملة وجبات ساخنة وأرغفة خبز ومياه شرب، تقدمها لعائلات أنهكتها الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة "حماس". ووظفت الشابة إتقانها اللغة التركية، التي تعلمتها ذاتيا منذ طفولتها، في التواصل مع مؤسسات تركية لتوفير مساعدات إنسانية للمنكوبين. وفي منطقة الكرامة شمال غربي مدينة غزة، شاركت سوسن (22 عاماً) خلال يوم عمل إغاثي، في تنفيذ 3 مشاريع لتوزيع وجبات طعام وخبز ومياه شرب على عشرات الأسر، بالتعاون مع جمعية "الحياة فيها خير" التركية. وتعيش العائلات في خيام متلاصقة تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، وسط دمار واسع في الأحياء المحيطة، ونقص في الغذاء والمياه ومستلزمات الإيواء. ويعيش نحو 2.15 مليون فلسطيني في ظروف نزوح، بينهم نحو 867 ألفاً في خيام متهالكة، وأكثر من مليون في مراكز إيواء. ونزح الفلسطينيون من منازلهم جراء الحرب التي أدت لدمار طال 90% من البنية التحتية المدنية. وقالت السلطان، وهي طالبة تدرس القانون باللغة الإنجليزية في جامعة "الأزهر" بمدينة غزة، أن شغفها باللغة التركية بدأ منذ الطفولة، مدفوعا بحبها لتركيا وحلمها بزيارتها والدراسة فيها. وأوضحت أنها تعلمت اللغة ذاتياً من خلال متابعة المسلسلات والأعمال الفنية التركية وحفظ الكلمات والعبارات، قبل أن تطور مهاراتها تدريجياً بالممارسة المستمرة. وأكملت السلطان: "منذ طفولتي يتملكني حلم تعلم اللغة التركية وإتقانها، وكنت أحلم بالذهاب إلى تركيا والدراسة فيها، واجتهدت لتعلم اللغة بجهود ذاتية، ووفقني الله لذلك". وأشارت إلى أن أفراد عائلتها لم يكونوا يعلمون في البداية أنها تسعى إلى تعلم التركية، التي أصبحت لاحقاً وسيلتها للتواصل مع مؤسسات إغاثية خارج القطاع. ومع اندلاع الحرب، وجدت السلطان في إتقانها اللغة التركية فرصة لمساعدة الفلسطينيين، عبر نقل معاناتهم إلى الجمهور التركي والتواصل مع مؤسسات وأفراد قادرين على تقديم الدعم. وبدأت قبل نحو عامين توظيف مهاراتها اللغوية للتعريف بأوضاع الفلسطينيين في غزة، واستقطاب المساعدات للعائلات المتضررة من الحرب. وتعمل السلطان متحدثة ومترجمة وإعلامية مع عدد من المؤسسات التركية، من بينها جمعية "الحياة فيها خير"، التي تتعاون معها لتنفيذ مشاريع إغاثية. وهكذا، تحولت التركية من هواية شخصية إلى وسيلة للعمل الإنساني، تستخدمها في التواصل مع الجهات الداعمة ونقل احتياجات النازحين، إلى جانب المشاركة ميدانيا في توزيع المساعدات. وعن طبيعة عملها، أوضحت السلطان أن أنشطتها الإغاثية تشمل توزيع وجبات طعام ومياه شرب وأغطية ومستلزمات الشتاء على النازحين في المخيمات ومراكز الإيواء. وقالت: "استطعنا الوصول إلى آلاف العائلات الفقيرة والنازحة، ونفذنا مشاريع عديدة في شمالي غزة وجنوبيها، لكن تركيزنا ينصب على سكان ونازحي الشمال". ومن خلال تنقلها بين المخيمات، تتابع السلطان عن قرب معاناة العائلات التي فقدت منازلها، وتعيش في ظروف صعبة وسط تدهور الخدمات الصحية والتعليمية وتدمير مرافق البنية التحتية. ووصفت الواقع الإنساني الذي تشاهده يومياً بأنه "أسوأ من أن يتخيله بشر"، مشيرة إلى أن السكان يحاولون التغلب على ظروفهم القاسية، لكنهم يفتقرون إلى الاحتياجات الأساسية. ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد مخاوف السلطان على العائلات التي تعيش في خيام مهترئة، خصوصاً في المناطق المنخفضة المعرضة لتجمع مياه الأمطار والسيول. وحذرت من أن الأمطار والرياح ربما تفاقم معاناة النازحين الذين يعيشون في خيام لا توفر لهم الحماية من البرد، في ظل محدودية البدائل المتاحة للإيواء. وتتوافق المخاوف التي تتحدث عنها السلطان مع بيانات أممية تحذر من مخاطر الشتاء على النازحين في القطاع. فبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يقيم نحو 950 ألف نازح في مواقع معرضة لمخاطر متوسطة إلى مرتفعة من الفيضانات. وذكر التقرير أن 294 ألفاً و250 أسرة تحتاج إلى مساعدات إيواء استعداداً لموسم الأمطار. وفي محاولة للتخفيف من المخاطر، أوضحت السلطان أن جهود الجمعية التركية تركز خلال الفترة الحالية على توفير أغطية شتوية وشوادر بلاستيكية وخيام. وأكملت: "كل الجهود الإغاثية التي تجري في غزة لا تلبي أدنى الاحتياجات، فهي جهود طارئة ومؤقتة، ولا توجد حلول مستدامة على صعيد إزالة الركام أو إعادة الإعمار أو حتى إدخال مساكن مؤقتة". وتتزامن المخاوف مع تحذير أطلقته "المنظمة الدولية للهجرة" في 9 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من أن نحو مليوني فلسطيني في غزة مازالوا بحاجة إلى مساعدات إيواء. وأوضحت المنظمة أن الإمدادات المتاحة لدى المؤسسات الإنسانية لا تغطي سوى 17% من احتياجات الإيواء لفصل الشتاء، بسبب نقص التمويل والقيود الإسرائيل