يعكس التصعيد العسكري الذي تشنه جماعة الحوثي نحو محافظة لحج المحاذية لمحافظة تعز والمدخلين الشمالي والغربي للعاصمة المؤقتة عدن تحولاً ميدانياً لافتاً ينطوي على أبعاد جيوسياسية وعسكرية متعددة. ومع دخول المواجهات شهرها الخامس، تسعى الجماعة عبر فتح جبهات جديدة وإمطار عدن ولحج بالقصف الصاروخي والمسيّرات إلى تحقيق هدف مزدوج يتمثل بفرض واقع ميداني جديد يضمن إحكام الحصار على مدينة تعز وتأمين مرتفعات حيوية مطلة على شريط باب المندب، بالتوازي مع التمهيد الناري لاختراق عميق باتجاه عدن وقاعدة العند الجوية. ورغم قوة الاندفاع الحوثية القائمة على التعبئة البشرية المكثفة، فإن مراقبين عسكريين يشيرون إلى أن التوسع الميداني للجماعة يواجه استنزافاً حاداً ومقاومة صلبة قد تعرض قواتها للإنكسار إذا ما تم فك الحصار عن تعز أو تنفيذ عمليات التفاف نارية على خطوط إمدادها الممتدة. ووسعت الجماعة نطاق عملياتها العسكرية مؤخراً على امتداد خطوط التماس مع القوات الحكومية في مديريات المضاربة، ورأس العارة، وطور الباحة، والمقاطرة في محافظة لحج. وقالت القوات الحكومية إنها تخوض اشتباكات ضارية ومتواصلة مع الحوثيين في جبهات "النسيرة" و"الصوالحة" و"الأثاور" في حيفان، إضافة إلى جبهة "المقاطرة" وممر "هيجة العبد" و"الصحى". وأكدت القوات الحكومية أن مدفعيتها تعاملت بحزم مع تحركات وتجمعات الحوثيين. وفي مقابل ذلك، أكدت مصادر عسكرية في جماعة الحوثي لـ"المدن"، أن قواتها تمكنت من السيطرة على سوق الربوع وقلعة المقاطرة، وممر "هيجة العبد" و"الصحى"، وتقدمت باتجاه منطقة طور الباحة التي تبعد نحو 80 كيلومتراً عن العاصمة المؤقتة عدن. وتكتسب محافظة لحج، الواقعة في الجنوب الغربي لليمن، أهمية استراتيجية كبيرة كونها تشكل البوابة الشمالية والغربية لمحافظة عدن، فضلاً عن إشرافها على شريط ساحلي حيوي بالقرب من مضيق باب المندب عبر مديرية المضاربة ورأس العارة. وتُوصف لحج بأنها خط الدفاع الأول عن عدن، حيث تحتضن قاعدة "العند" الجوية، التي تُعد واحدة من أكبر وأهم القواعد العسكرية التاريخية في البلاد، وتقع على بُعد نحو 60 كيلومتراً شمالي عدن. ويُمثل أي اختراق ميداني يحققه الحوثيون في لحج جرس إنذار مباشر للقوات الحكومية لمنع تمددهم صوب مقر الحكومة اليمنية. ومنذ بدء تصعيدهم الميداني ضد القوات الحكومية نهاية حزيران/يونيو الماضي، يهدد الحوثيون باستكمال السيطرة على كامل الأراضي اليمنية، غير أن تحركاتهم الأخيرة باتجاه لحج تحمل دلالات متعددة الأبعاد. فالموقع الاستراتيجي للمحافظة يجعل الهجمات الحوثية محاولة لتحقيق اختراق ميداني باتجاه عدن والمحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحكومة. ويرتبط هذا التصعيد البري بتكثيف الحوثيين لهجماتهم الصاروخية على عدن؛ إذ تفيد بيانات الحكومة اليمنية بأن مطار عدن الدولي تعرض لـ7 هجمات خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إلى جانب قصف قصر معاشيق الرئاسي بهجومين. كما أعلنت وزارة الداخلية اليمنية الأسبوع الماضي تعرض مقر خفر السواحل بالديوان العام للوزارة في عدن لقصف بصاروخين باليستيين، إضافة إلى استهداف مبنى خفر السواحل في مديرية التواهي بصاروخ باليستي ثالث. وبالتزامن مع ذلك، أكدت الحكومة اليمنية سقوط صاروخين أطلقهما الحوثيون في 26 تشرين الأول/أكتوبر الجاري قرب مخيمات النازحين في منطقة "صلاح الدين" الآهلة بالسكان في عدن. في المقابل، يقول الحوثيون إن ضرباتهم الصاروخية استهدفت معسكرات وغرف عمليات وسلاسل إمداد عسكرية، معلنين الأسبوع الفائت قصف تحشيدات عسكرية في منطقة "الوهط" بمحافظة لحج. وكان الحوثيون قد استبقوا هجومهم البري على الساحل الغربي في أيلول/سبتمبر الماضي بضربات صاروخية ومسيرة استهدفت مدينة المخا في آب/ أغسطس الماضي. وفي سياق متصل، تهدف العمليات البرية للحوثيين في لحج إلى تأمين مكاسبهم الميدانية في محافظة تعز ومنطقة باب المندب، والتحكم في مرتفعات جبلية مطلة على طرق حيوية لمنع أي محاولات حكومية لفك الحصار عن تعز كمرحلة أولى، تعقبها مرحلة ثانية تتمثل في التوجه نحو عدن حال نجاحها. وفقاً للباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية عارف الهويش، فإن محاولة الحوثيين التوغل باتجاه لحج تأتي لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو الالتفاف شرق مضيق باب المندب عبر رأس العارة لتأمين قواتهم وتطويق القوات الحكومية المتواجدة في منطقة "ذو باب"، والثاني إحداث اختراق عميق ومباشر باتجاه عدن. ويرى الهويش في تصريحات لـ"المدن" أن هذه العمليات قد تنطوي على مخاطرة عسكرية عالية للحوثيين بالتعرض للانكسار إذا تم استدراج قواتهم لإنهاكها واستنزاف الترسانة العسكرية التي حصلت عليها عقب سيطرتها على الساحل الغربي، محذراً في تصريحات لـ "المدن" من سيناريوهات سيئة إذا لم تبد القوات الحكومية الجاهزية المطلوبة