لم تعد الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل داخل الولايات المتحدة محصورة بالجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، بل بدأت تتوسّع لتشمل أصواتًا مؤثرة في اليمين الجمهوري، في تحوّل سياسي كشفت عنه نتائج الانتخابات النصفية الأميركية. وبين صعود مشرّعين يعارضون السياسات الإسرائيلية والمساعدات العسكرية الأميركية، وتصاعد الانتقادات للحرب على إيران، تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد جديد في واشنطن، تتراجع فيه المسلّمات التقليدية بشأن طبيعة الدعم الأميركي ومستقبله. وبحسب تقرير للصحافي آراد نير، نشره موقع "القناة 12" الإسرائيلية، مساء أمس الخميس، فإن نتائج الانتخابات النصفية عزّزت حضور التيار التقدمي في الكونغرس، وأوصلت إلى واشنطن شخصيات سياسية اشتهرت بمواقفها الحادة تجاه إسرائيل والمساعدات التي تتلقاها من الولايات المتحدة. وأشار التقرير إلى أن التحدي لا يقتصر على الديمقراطيين، إذ بدأت تتزايد أيضًا داخل الحزب الجمهوري أصوات تدعو إلى إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، ما يضعها أمام واقع سياسي أكثر تعقيدًا، رغم استمرار وجود عدد كبير من حلفائها في الكونغرس. ولعلّ أحد أبرز المشاهد التي عكست هذا التحوّل جاء من السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، أحد أبرز رموز اليسار التقدمي الأميركي، الذي احتفل بنتائج الانتخابات عبر نشر مقطع مصوّر بدا أشبه بإعلان ترويجي لفيلم سينمائي، مستعرضًا الوجوه الجديدة التي ستنضم إلى الكونغرس. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن عددًا من هذه الأسماء ليس مجهولًا، بعدما برز خلال الحملات الانتخابية بسبب انتقاداته الشديدة للسياسات الإسرائيلية. وكان عبدول السيد، المرشح الديمقراطي الذي فاز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، من أبرز الوجوه التي استحوذت على الاهتمام خلال احتفالات التقدميين، بعدما نجح في إبقاء المقعد بيد الحزب الديمقراطي. وخلال خطاب إعلان فوزه، استخدم السيد تعابير باللغة العربية، وقال: "الليلة نستطيع تحويل إن شاء الله إلى الحمد لله"، في إشارة إلى الانتقال من الأمل بتحقيق الفوز إلى الاحتفال بتحققه. لكن أهمية نتائج الانتخابات لم تتوقف عند فوز السيد، إذ أظهرت بيانات عُرضت عقب الاقتراع ارتفاع عدد أعضاء الكونغرس المحسوبين على اليسار التقدمي في مجلسَي النواب والشيوخ من 24 عضوًا في الكونغرس المنتهية ولايته إلى 36 عضوًا في الكونغرس الجديد. وفي الدائرة الأوسع لليسار داخل الحزب الديمقراطي، ارتفع عدد المشرّعين من 135 إلى 163 عضوًا، وفق أرقام لم تُحسم نهائيًا بعد، لكنها تشير إلى تنامي حضور هذا التيار داخل المؤسسة التشريعية الأميركية. ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن جميع المنتخبين الجدد يتبنون المواقف نفسها تجاه إسرائيل، أو أن الحزب الديمقراطي بكامله غيّر توجهاته، إلا أن الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل والتدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط احتلت موقعًا بارزًا في الحملات الانتخابية لعدد من المرشحين الفائزين. وفي ولاية تكساس، التي احتفظ الجمهوريون بمقعدها في مجلس الشيوخ طوال نحو 3 عقود، حقّق الديمقراطي جيمس تالاريكو فوزًا لافتًا. وكان تالاريكو، وهو قسّ شاب، قد عبّر خلال حملته الانتخابية عن معارضته للحرب في قطاع غزة، وانتقد الدور الأميركي فيها. وقال: "إن رؤية ما يحدث في غزة تصيبني بالغثيان بصفتي قسًّا ومسيحيًا وإنسانًا". وأضاف: "إن دور بلادنا في هذا القتل يجعلني أشعر بأنني شريك في المسؤولية، وأعتقد أن على جميع الأميركيين أن يشعروا بذلك". وفي فيلادلفيا، فاز كريس راب بعضوية الكونغرس، بعدما شارك خلال حملته الانتخابية في تظاهرات معارضة للمساعدات الأميركية لإسرائيل. كما وجّه راب انتقادات حادة للمواجهة العسكرية مع إيران، معتبرًا أن إسرائيل والرئيس دونالد ترامب يتحملان مسؤولية الهجمات التي أدّت إلى سقوط ضحايا مدنيين في الأراضي الإيرانية. أما في ولاية نيوجيرسي، فقد حقّق الطبيب العسكري آدم حماوي فوزًا انتخابيًا أوصله إلى الكونغرس، بعدما اكتسب اهتمامًا واسعًا على خلفية مشاركته في علاج الجرحى داخل قطاع غزة خلال الحرب. وحماوي، الذي سبق أن عمل طبيًا في مناطق نزاع متعددة حول العالم، وصف تجربته في غزة بكلمات تعكس حجم المأساة الإنسانية التي شاهدها. وقال: "لقد رأيت الحرب في العراق، ورأيت الحرب في البوسنة، ورأيت الحرب في سوريا". وأضاف: "لكن ما كنت أراه يوميًا في غزة كان أعدادًا كبيرة من المصابين الذين يصلون لتلقي العلاج، وكنا مضطرين كل يوم إلى اتخاذ قرارات بشأن من سيعيش ومن سيموت". وبينما تحوّلت الحرب في غزة إلى قضية أخلاقية بالنسبة إلى عدد من المرشحين الأميركيين، أدخلت المواجهة العسكرية مع إيران النقاش حول الشرق الأوسط إلى صلب الاهتمامات اليومية للناخب الأميركي. ومع تصاعد تأثير الحروب الإقليمية في الحياة السياسية الأميركية، اشتدّ الجدل بشأن حجم ال