أطاحت أزمة مصرفية غير مسبوقة برئيس باراغواي سانتياغو بينيا، أحد أبرز حلفاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أميركا اللاتينية، بعدما دفع انهيار بنك "أوينو" وتجميد أموال نحو 3 ملايين عميل البلاد إلى أزمة مالية وسياسية حادّة، فجّرت احتجاجات شعبية واسعة ودفعت البرلمان إلى التحرّك لعزل الرئيس، قبل أن يعلن استقالته تحت وطأة الضغوط المتصاعدة. وفي التفاصيل، أعلن بينيا، الخميس 5 تشرين الثاني، استقالته من رئاسة الجمهورية، عقب انهيار بنك "أوينو"، الذي تحوّل خلال سنوات قليلة من مصرف رقمي محدود الانتشار إلى أحد أكبر المصارف المُقرضة في باراغواي، بعدما أعلن أن نحو 60% من السكان البالغين أصبحوا من عملائه. وبدأت الأزمة تتفاقم بعدما أمر البنك المركزي، الإثنين، بإخضاع المصرف لإجراءات تسوية بسبب تعثّره المالي، ما أدّى إلى تجميد ودائع نحو 3 ملايين عميل، وحرمان مئات آلاف الأسر من الوصول إلى مدخراتها لتأمين الغذاء والنفقات الأساسية. وترافقت هذه التطورات مع توقيف مسؤولين تنفيذيين في المصرف، وخروج آلاف المواطنين إلى الشوارع، للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي. وأمام تصاعد الغضب الشعبي والضغوط السياسية، ظهر بينيا في تسجيل مصوّر أعلن فيه قراره الاستقالة، مؤكداً أنه اتخذه انطلاقاً من حرصه على استقرار البلاد والسلم الاجتماعي والحفاظ على المؤسسات الديمقراطية. وقال الرئيس المستقيل إنه يمرّ بإحدى أصعب لحظات حياته، مشدداً على أن مصلحة باراغواي يجب أن تتقدّم على أي شخص أو ظرف. كما اعتذر من مواطنيه إذا كان قد خذلهم، مؤكداً أن أولويته تتمثّل في طمأنة الذين ائتمنوا النظام المالي على مدخراتهم، وضمان إعادة أموالهم إليهم. غير أن الأزمة لم تقتصر على انهيار المصرف، إذ امتدّت إلى شبهات تتعلق بإدارة مئات ملايين الدولارات من الأموال العامة. فبحسب المعلومات التي أوردتها "سكاي نيوز عربية"، كان بنك "أوينو" يدير ودائع تتراوح قيمتها بين 800 و850 مليون دولار لمؤسسات حكومية وصناديق تقاعد، بما فيها أموال مخصّصة لمعاشات المتقاعدين. وأثار حجم هذه الودائع تساؤلات بشأن احتمال وجود تضارب في المصالح، في ضوء امتلاك بينيا سابقاً أسهماً في شركة "أوينو القابضة"، المرتبطة بالمصرف. إلا أن الرئيس المستقيل نفى ارتكاب أي مخالفة، مؤكداً أن مساهمته في الشركة كانت مجرّد استثمار، وأنه تخلّص من جميع أسهمه قبل الأزمة. كما رفض اتهامات المحاباة في توجيه أموال الدولة وصناديق التقاعد إلى البنك، معتبراً أن التقارير الإعلامية التي أثارت هذه الشبهات تندرج ضمن حملة تهدف إلى إضعاف حكومته. وفي موازاة التحقيقات والتطوّرات المالية، تحوّلت الأزمة إلى مواجهة سياسية داخل البرلمان، بعدما تقدّم نواب من المعارضة، إلى جانب أعضاء من حزب "كولورادو" الذي ينتمي إليه بينيا، بطلب لعزله، محمّلين إياه مسؤولية انهيار المصرف. وأفادت تقارير بأن بينيا امتلك أسهماً في المجموعة التي تدير البنك حتى أوائل عام 2025، وبأنه تجاهل خلال الأشهر الماضية تحذيرات بشأن أوضاع المصرف صادرة عن البنك المركزي ووسائل إعلام محلية. وتلقّى الرئيس ضربة سياسية إضافية عندما أعلن الرئيس السابق هوراسيو كارتيس، الذي كان من أبرز حلفائه، تأييده إجراءات العزل. وقال كارتيس إن حزبه لن يقف إلى جانب ما وصفه بسرقة الأموال العامة والخاصة وأموال المتقاعدين، معتبراً أن عزل بينيا بات ضرورياً لاستعادة النظام المؤسسي في البلاد. وأدّى هذا الموقف إلى اتساع التأييد البرلماني لإجراءات العزل، فيما احتشد آلاف المحتجين أمام مبنى الكونغرس للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الأزمة. وبعد نحو ساعة من إعلان بينيا استقالته، وافق مجلس النواب بالإجماع على طلب عزله، وأحاله إلى مجلس الشيوخ للنظر فيه. وفي السياق، وصف عضو مجلس الشيوخ المعارض رافائيل فيليزولا القضية بأنها "أكبر عملية احتيال" نُفّذت من داخل السلطة السياسية خلال الحقبة الديمقراطية، وفق ما نقلته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية. واتهم فيليزولا جهات سياسية باستخدام الأموال العامة في أعمال تجارية خاصة مرتبطة بأصحاب النفوذ، معتبراً أن رئيس الجمهورية كان في صلب المنظومة التي يقصدها، وهي اتهامات ينفي بينيا ارتكاب مخالفات مرتبطة بها. وتكتسب استقالة بينيا بُعداً سياسياً يتجاوز حدود باراغواي، بالنظر إلى علاقته الوثيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ كان من بين عدد محدود من رؤساء دول أميركا اللاتينية الذين حضروا مراسم تنصيب ترامب لولاية ثانية. كما سبق أن أشاد مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ببينيا بوصفه شريكاً استراتيجياً لواشنطن. وكان الرئيس المستقيل قد زار العاصمة الأميركية أخيراً لإجراء محادثات تناولت المعادن الحيوية والتعاون الاقتصادي بين البلدين. أما على صعيد انتقال السلطة، فلا يزال ال