إذا أردنا أن نكون واقعيين في مقاربة ما يجري حولنا يمكننا أن نقول، ومن دون مبالغة، إن لبنان غير معني مباشرة بأي تبدّل في مستوى الانخراط الأميركي في المنطقة، سواء من خلال التأثير المباشر على المفاوضات مع إسرائيل، أو دعم الجيش، أو الضغوطات المتعلقة بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم. ومن غير الواقعي افتراض أن خسارة الجمهوريين الأكثرية ستؤدي تلقائياً إلى تغيير الموقف الأميركي من هذه الملفات. فالمصالح الأميركية المتعلقة بأمن إسرائيل، ومنع توسع النفوذ الإيراني، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، لا ترتبط فقط بهوية الأكثرية داخل الكونغرس، بل تتصل أيضاً بتوجهات الإدارة ومؤسسات الأمن القومي والسياسة الخارجية. لكن أدوات الضغط قد تتغير. فالكونغرس الديمقراطي يستطيع أن يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة المساعدات الأميركية للبنان، وحجم الدعم المخصص للجيش، والشروط المرتبطة به. كما يمكنه أن يراقب بصورة أكثر تفصيلاً كيفية استخدام الأموال الأميركية، وأن يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها المتعلقة ببسط سلطتها وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وفي هذا الإطار، يكتسب مصير الاقتراح المتداول لتخصيص نحو 1.2 مليار دولار على مدى خمس سنوات لدعم الجيش والأجهزة الأمنية أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباطه بشروط تتصل بحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح "حزب الله". ولا يعني تبدّل الأكثرية أن هذا التمويل سيسقط أو سيُقرّ حكماً، لكنه سيصبح جزءاً من نقاش تشريعي وسياسي مختلف داخل الكونغرس. أما في ما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، فإن القرار التنفيذي يبقى في يد البيت الأبيض إلى حد كبير. وبالتالي، لا يعني وصول الديمقراطيين إلى رئاسة اللجان النيابية أو مجلس الشيوخ أن مسار التفاوض سيتوقف أو أن واشنطن ستغيّر تلقائياً موقفها من الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية في الجنوب. لكن الإدارة ستواجه رقابة أكبر على كيفية إدارة هذا المسار، وعلى طبيعة الضمانات التي تقدمها، وعلى المساعدات التي تخصصها لتنفيذ أي تفاهم. ولكن هذا لا يمنع من طرح سؤال حتمي بالنسبة إلى انشغالات الرئيس دونالد ترامب بـ "هم" البيت الأميركي الداخلي وترك المنطقة، ومن بينها لبنان، أمام حسابات جديدة؟ هذا هو السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى لبنان. فالرئيس الذي كان يملك في العامين الأولين من ولايته غطاءً جمهورياً في المجلسين، سيجد نفسه اعتباراً من كانون الثاني 2027 أمام معارضة قادرة على فتح ملفات إدارته، وتعطيل أجزاء من أجندته التشريعية، وفرض نقاشات يومية حول أدائه. وقد يدفعه ذلك إلى التركيز بصورة أكبر على الملفات الداخلية، وخصوصاً الاقتصاد وأسعار الطاقة، ومحاولة تجنب انخراط عسكري طويل ينعكس سلباً على صورته السياسية. لكن لا يجوز افتراض أن هذا الانشغال سيؤدي حكماً إلى تراجع أميركي عن الشرق الأوسط، أو إلى ترك إسرائيل وإيران وحلفائهما يقررون وحدهم مستقبل المنطقة. الأرجح أن المرحلة المقبلة ستشهد محاولة من الإدارة الأميركية للحفاظ على حرية الحركة الخارجية، بالتوازي مع إدارة مواجهة داخلية متزايدة مع الكونغرس. وقد تكون الملفات التي تتطلب تمويلاً طويلاً أو التزامات تشريعية واسعة أكثر عرضة للتعقيد، فيما تبقى القرارات التنفيذية والأمنية ضمن هامش أوسع من صلاحيات الرئيس. وهذا تحديداً ما ينبغي أن تقرأه الدولة اللبنانية بعناية. فليس مضموناً أن تبقى واشنطن متفرغة بالقدر نفسه لمتابعة التفاصيل اللبنانية، ولا أن تستمر الوساطات بالزخم ذاته، ولا أن تتوافر دائماً الظروف السياسية الأميركية نفسها لدعم أي تسوية أو ترتيب أمني. فالخلاصة التي يُفترض أن تستخلصها بيروت من الانتخابات الأميركية ليست أن الديمقراطيين سيأتون بسياسة مختلفة حكماً، ولا أن الجمهوريين خرجوا من المعادلة الأميركية، بل أن مرحلة جديدة من التوازنات والرقابة والصراعات الداخلية بدأت في واشنطن. وقد يكون غالون البنزين قد ساهم في تغيير موازين الكونغرس، لكن تداعيات هذا التغيير على لبنان لن تُحسم في محطات الوقود الأميركية، بل في قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع التحولات الدولية، وتثبيت موقعها في أي مفاوضات، وتنفيذ قراراتها السيادية. فلبنان لا يستطيع أن ينتظر حتى تنتهي واشنطن من ترتيب بيتها الداخلي، ولا أن يربط مصير الجنوب بمزاج الكونغرس أو أولويات البيت الأبيض. عليه أن يمتلك موقفاً وطنياً واضحاً، وأن يحصّن مؤسساته، وأن يضع حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم في إطار خطة تنفيذية متكاملة، بالتوازي مع المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وتمكين الجيش من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية. لقد أظهرت الانتخابات الأميركية أن قراراً خارجياً قد تكون له كلفة داخلية لا يستطيع أي رئيس تجاهلها. وعلى لبنان أن يدرك بدوره أن قراراته الداخلية، أو غياب الق