لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مجرد استحقاق انتخابي تقليدي، بل شكلت محطة سياسية مفصلية في مسار إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في نتيجة عكست حجم الاعتراض الشعبي على الأداء الاقتصادي والإدارة السياسية، وعلى نحو خاص كلفة الحرب مع إيران وتداعياتها على أسعار الطاقة ومستوى المعيشة داخل الولايات المتحدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل لبنان والمنطقة ليس فقط ماذا خسر الجمهوريون وماذا ربح الديمقراطيون، بل ماذا تعني هذه النتائج للسياسة الأمريكية الخارجية؟ وهل نحن أمام مراجعة فعلية للسياسة التي اعتمدتها إدارة ترامب في الشرق الأوسط، أم أن ما جرى سيؤدي إلى تعديل في الأسلوب والأولويات من دون المساس بالثوابت الاستراتيجية الأمريكية؟ أعتقد أن علينا التمييز بين التغيير السياسي الداخلي والتغيير الاستراتيجي الخارجي، فالسياسة الأمريكية الخارجية تشبه طائرة البوينغ؛ لا تستطيع تغيير مسارها بصورة مفاجئة، ولا يمكنها الانعطاف الحاد بمجرد حدوث اضطراب في قمرة القيادة أو تبدل موازين القوى داخل الكونغرس. إنها سياسة تقوم على مصالح ومؤسسات وأجهزة أمنية وعسكرية واستخباراتية، وعلى تحالفات دولية واقتصادية متراكمة، لا تتبدل بمجرد تبدل الأغلبية النيابية. ولذلك، فإن خسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس لا تعني تلقائياً أن واشنطن ستتخلى عن أولوياتها في الشرق الأوسط، أو أنها ستعيد النظر جذرياً في علاقتها بإسرائيل، أو في سياستها تجاه إيران، أو في شبكة تحالفاتها الإقليمية. ما تغيّر فعلياً هو هامش الحركة السياسية أمام ترامب، فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين ستمنحهم قدرة أكبر على الرقابة والتحقيق خسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس لا تعني تلقائياً أن واشنطن ستتخلى عن أولوياتها في الشرق الأوسط، أو أنها ستعيد النظر جذرياً في علاقتها بإسرائيل، أو في سياستها تجاه إيران، أو في شبكة تحالفاتها الإقليمية. ما تغيّر فعلياً هو هامش الحركة السياسية أمام ترامب ومساءلة الإدارة، والتأثير في الموازنات والتعيينات والتشريعات، فضلاً عن قدرتهم على تعطيل بعض التوجهات الرئاسية. لكنها لا تلغي الصلاحيات الدستورية الواسعة للرئيس في إدارة السياسة الخارجية واستخدام الأدوات التنفيذية والعسكرية. وبالتالي، فإن واشنطن تدخل مرحلة من التجاذب الداخلي قد تجعل اتخاذ القرارات أكثر صعوبة، لكنها لا تعني بالضرورة توقف القرار الأمريكي أو تبدل اتجاهه الاستراتيجي. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز الموقف الذي أعلنه نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس بعد ظهور نتائج الانتخابات. فقد قال بوضوح إن سبب خسارة الجمهوريين هو الحرب، معتبراً أن الناخب الأمريكي لم يكن غائباً عن صناديق الاقتراع، بل إن جزءاً من الناخبين الذين منحوا ترامب وفانس أصواتهم في انتخابات 2024 عادوا وصوتوا للديمقراطيين في 2026. وربط فانس هذا التحول بأربعة عوامل أساسية: الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم، وضرورة إعطاء الأولوية لأمريكا أولاً، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة الأمريكية مع إسرائيل. والأهمية السياسية لكلام فانس لا تكمن فقط في تحميل الحرب مسؤولية الخسارة الانتخابية، بل في أنه وضع السياسة الخارجية نفسها تحت مجهر الحسابات الداخلية الأمريكية. فحين يقول نائب الرئيس إن الحرب كلفت الحزب الجمهوري خسارة مجلس الشيوخ لست سنوات، فهو يطرح سؤالاً يتجاوز إيران إلى مفهوم التدخل الأمريكي في الخارج، ومدى استعداد الناخب الأمريكي لتحمل تكاليف الحروب، مالياً واقتصادياً وسياسياً. كما أن إشارته إلى العلاقة مع إسرائيل تحمل دلالة تستحق المتابعة، وإن كان من المبكر اعتبارها مؤشراً على تحول جذري في الالتزام الأمريكي تجاهها. وهنا تبرز المفارقة الأمريكية: ترامب الذي رفع شعار أمريكا أولاً وجد نفسه أمام استحقاق انتخابي يتساءل فيه الناخب عن كلفة الانخراط العسكري الخارجي، وعن انعكاساته على أسعار الوقود والتضخم والقدرة الشرائية. وقد أظهرت نتائج استطلاعات الناخبين التي رافقت الانتخابات أن غلاء المعيشة والفساد والحرب مع إيران كانت من أبرز العوامل المؤثرة في خيارات الناخبين. وهذا يعني أن السياسة الخارجية لم تعد مسألة منفصلة عن الاقتصاد الداخلي، بل أصبحت جزءاً مباشراً من الحساب الانتخابي الأمريكي. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن علينا قراءة هذه التطورات بعيداً عن المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم. فلا ينبغي الاعتقاد أن خسارة الجمهوريين ستؤدي تلقائياً إلى تغيير الموقف الأمريكي من حزب الله، أو إلى تخفيف الضغوط المالية والسياسية على بيئته وشبكاته، كما لا ينبغي افتراض أن واشنطن ستتخلى عن دعم إسرائيل أو عن أولوياتها الأمنية في المنطقة. هذه ملفات تتجاوز الحزب الحاكم، وترتبط بمصالح استرات