كتب سؤالًا، وانتظر؛ لم يطل الانتظار؛ ظهرت أمامه إجابةٌ مرتّبة، ثم طلب شرحًا أبسط، ومثالًا أوضح، واحتمالًا آخر؛ وفي دقائق، صار بين يديه ما كان سيحتاج إلى ساعاتٍ ليجمع بعضه. شعر بالارتياح؛ كم من وقتٍ أمضاه سابقًا يبحث عن معلومة، أو يحاول فهم فكرة، أو يتوقّف أمام صفحةٍ لا يعرف كيف يبدأها؟ الآن، يستطيع أن يسأل من جديد، وأن يطلب التوضيح من دون حرج؛ هناك دائمًا جوابٌ ينتظره خلف السؤال. قرأ ما ظهر على الشاشة، وأعجبه؛ كانت الكلمات واضحة، والحجّة تبدو متماسكة؛ مدّ يده لينقلها، ثم توقّف عند جملةٍ لم يفهم تمامًا كيف وصلت إليها الإجابة؛ أعاد قراءتها، وفكّر قليلًا: لو سأله أحدٌ عنها، هل يستطيع أن يشرحها؟ ظلّ المؤشّر يومض أمامه؛ كان يستطيع أن يطلب من النظام شرحًا آخر، وقد يفيده ذلك فعلًا؛ لكنه أحسّ أن شيئًا في هذه اللحظة يحتاج إلى حضوره هو؛ كانت الإجابة بين يديه، أمّا الفهم، فظلّ في الجهة الأخرى، ينتظر منه أن يعبر إليه بنفسه. من هذه الوقفة تبدأ رحلتنا مع الذكاء الاصطناعي؛ وقد اخترت أن أتناوله في ثلاثة أجزاء مترابطة، تمنحنا مساحةً للنظر إليه من زواياه الإنسانية المختلفة: نبدأ بعلاقتنا به وما يصنعه في تفكيرنا واختياراتنا، ثم ننتقل إلى أثره في حياتنا المشتركة وحقوقنا وكرامتنا، وصولًا إلى الأخلاق والحوكمة التي ينبغي أن ترافق بناءه واستعماله؛ ويبقى الإنسان، في الأجزاء الثلاثة، بداية السؤال وغاية كل إجابة. لكي نفهم علاقتنا بهذه الأنظمة، نحتاج أولًا إلى أن نرى ما تفعله؛ فهي تتدرّب على بياناتٍ كثيرة، وتتعلّم منها أنماطًا وعلاقاتٍ تستخدمها في تحليل ما نعرضه عليها وتوليد استجاباتٍ له؛ وما يظهر أمامنا في لحظات، تقف خلفه معرفةٌ بشرية تراكمت، وأبحاثٌ وبرامج وتجارب جعلت هذا الإنجاز ممكنًا. ولا يقتصر عملها على استرجاع معلومةٍ محفوظة؛ فقد تقارن بين آراء، وتقترح تفسيرًا، وتولّد نصًّا أو صورة، وتساعدنا على اكتشاف علاقةٍ لم ننتبه إليها؛ ولهذا تستحقّ أن نتعامل معها بجدّية؛ إنها تمنح الإنسان وسائل جديدةً للعمل والتعلّم والإبداع. لكنّ وفرة ما تستطيع تقديمه تجعل سؤالنا أكثر أهميّة؛ قد نطلب منها جوابًا يؤيّد ما نعتقده، أو نطلب منها أن تختبره؛ قد نستعملها لإنهاء واجبٍ بأقلّ جهد، أو لفهم ما عجزنا عن فهمه؛ الأداة نفسها قد تساعدنا على توسيع تفكيرنا، وقد نستعملها كي نتجنّب التفكير. وهنا تتّضح نقطة البداية: الإنسان الذي يسأل؛ ماذا يريد أن يعرف؟ وما السياق الذي يقدّمه؟ وهل يستطيع تمييز ما يحتاج إلى التحقّق، ومراجعة اقتراحٍ يبدو مقنعًا لكنه لا يناسب الواقع الذي يعرفه؟ لقد أصبح الوصول إلى إجابةٍ أسهل؛ وهذا يمنحنا فرصةً لنذهب أبعد في السؤال، ومسؤوليّةً أكبر عمّا نقبل أن نسمّيه معرفة. قبل أن نمضي أبعد، أريد أن أتوقّف عند التسمية نفسها: "الذكاء الاصطناعي"؛ لا أراها تفصيلًا لغويًا عابرًا؛ فالاسم يرسم علاقتنا بما يسمّيه، وقد يجعلنا نمنح الآلة مكانةً في أذهاننا قبل أن نفهم حقيقتها. وردت التسمية في مقترح مشروع دارتموث سنة 1955، الذي شارك في إعداده جون مكارثي وزملاؤه، تمهيدًا للقاء سنة 1956؛ وكانت تعبّر عن طموحٍ لمحاكاة جوانب من التعلّم والذكاء بواسطة الآلة. وأفهم أن الاستعمال التقني يصف الأنظمة بالذكاء استنادًا إلى وظائف تؤدّيها؛ لكنني أعترض على انتقال هذا الوصف من مجال الأداء إلى تصوّرنا لطبيعة النظام الذي يؤدّيه. اعتراضي يقع على كلمة "الذكاء" نفسها؛ فالذكاء، في المعنى الإنساني الذي أتبنّاه، لا أختصره في سرعة الحساب، ولا في وفرة المعلومات، ولا في براعة تركيب الإجابات؛ إنه ذكاء إنسانٍ يعيش ما يعرفه، ويراكم خبراته، ويسأل عن معناه، ويراجع غاياته، ويتحمّل مسؤوليّة اختياراته؛ وهذا تحديدٌ فلسفي أنطلق منه، وأناقش على أساسه التسمية، مع إدراكي أن المجال العلمي يستعمل الكلمة بمعنى وظيفي أوسع. أن تنجز الآلة مهمّةً تحتاج من الإنسان إلى ذكاء، لا يكفي عندي للقول إنها تمتلك ذكاءه؛ فالتشابه في النتيجة لا يثبت التطابق في طبيعة ما أنتجها. الرافعة تحمل ما تعجز عنه أجسادنا، ولا يصبح لها بذلك جسدٌ يعيش التعب؛ وكذلك لا أجد في إنتاج كلامٍ عن الألم، مهما بلغ إتقانه، دليلًا كافيًا على تجربة الألم أو فهمه كما يعيشه الإنسان. قد نسمّي يدًا "اصطناعية" لأنها صُنعت لتؤدّي بعض وظائف عضوٍ نعرفه؛ ونعرف أن أداءها وظيفة اليد لا يمنحها تجربة الجسد كلّها؛ أمّا حين نقول "ذكاءً اصطناعيًا"، فقد نتجاوز وصف وظيفةٍ محدّدة إلى إيحاءٍ أشمل: كأننا صنعنا "ذاتًا" تعرف ما تقول، وتريد ما تفعل، وتملك جوابًا عن مسؤوليّتها؛ وهنا يصبح الاسم، في نظري، أكبر من الدليل الذي يسنده. ولهذا أجد قيمةً في طرح لوتشيانو فلوريدي، الذي يناقش هذه الأنظمة بوصفها شكلًا من "الفاعليّة"؛ أي إمكان إنجاز مهمّاتٍ وأفعالٍ بنجاح، من دون أن يس