من يملك الحكاية: المبدع الذي يصوغها، أم الجمهور الذي يعيد تأويلها، أم المنصات التي تتحكّم بوصولها؟ سؤال ناقشه الفنان اللبناني رفيق علي أحمد، والدكتورة الكويتية عالية شعيب، والفنان الإماراتي الدكتور حبيب غلوم، خلال ندوة ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، مؤكدين أن الحكاية تحمل مسؤولية إنسانية وإبداعية تتجاوز إنتاج المحتوى وتحقيق الانتشار. وتناولت الندوة، التي أقيمت بعنوان "من يملك الحكاية؟" في "قاعة الفكر"، ضمن الدورة الخامسة والأربعين من المعرض، علاقة المبدع ببيئته وهويته، ودور الأدب والفن والإعلام في تشكيل الحكايات والأثر الذي تتركه لدى الجمهور. دعا رفيق علي أحمد إلى ابتكار أعمال تنبع من البيئة العربية وخصوصيتها الثقافية، منتقداً استمرار استعادة حكايات الآخرين، وسهولة اللجوء إلى تعريب المسلسلات التركية والإسبانية والكورية، بما لا يعوّض غياب الأفكار المحلية. وانطلاقاً من تجربته ونشأته في لبنان، رأى أن الفنان لا يستطيع الانفصال عن ذاكرة مجتمعه ومعاناته وأفراحه، وأن مهمته تتجاوز تجسيد النصوص إلى تقديم حكاية تعبّر عن هذا المجتمع. وقال: "واجب الفنان أن ينقل معاناة وأفراح وأتراح البيئة والمجتمع، وأن يكون مثل الشاعر الجاهلي مرآة عصره وصورة عن هذا المجتمع". وشدّد على ضرورة بناء علاقة خلّاقة بين التراث والحداثة، تتجاوز إعادة إنتاج الأعمال المستوردة. وكان قد استهلّ حديثه بتوجيه الشكر إلى الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على دعمه المتواصل للثقافة والمسرح، معتبراً أن هذا الاهتمام يعكس إدراكاً لدور الثقافة في نهضة الشعوب. عالية شعيب: الجمهور شريك في الحكاية استعادت عالية شعيب بداياتها مع الكتابة خلال سفرها إلى بريطانيا لإنجاز رسالة الدكتوراه، حين وجدت نفسها أمام تجربة تتداخل فيها الغربة وصراع الهويات وضغوط الحياة والدراسة. وأوضحت أن الكتابة بدأت لديها استجابة لحاجة داخلية إلى تسجيل ما تعيشه وفهمه، فدخلت عالمها عبر القصة القصيرة، قبل الانتقال إلى نصوص مكثّفة تقوم على اختزال اللغة وإصابة المعنى. الدكتورة الكويتية عالية شعيب ورأت أن الحكاية تكتمل بتفاعل المتلقي، وأن جودة العمل وحدها لا تضمن وصوله أو نجاحه؛ إذ تتدخل عوامل أخرى، بينها توقيت تقديمه وموضوعه ومدى اتصاله باهتمامات الجمهور وتجربته الإنسانية. فالمتلقي، بحسب شعيب، يدخل المسرح أو السينما أو يقرأ كتاباً حاملاً تاريخه وثقافته وبيئته ومعاناته، ويضيف إلى العمل شيئاً من وجدانه وتأويله، ليصبح شريكاً في صناعة معناه. حبيب غلوم: ضغوط السوق تختصر التحضير من جهته، ربط حبيب غلوم مسؤولية الفنان بالانضباط والتدريب واحترام خشبة المسرح، مؤكداً أن الموهبة تحتاج إلى عمل مستمر وتواضع في التعامل مع التجربة الإبداعية. وانتقد تراجع التحضيرات والتدريبات في بعض الإنتاجات التلفزيونية والمسرحية، مقارنة بتجارب سابقة كان الممثلون يخصّصون فيها أياماً للقراءة والتدريب الجماعي، بما يصقل الأداء ويبني العلاقة بين أعضاء الفريق. وأشار إلى أن حسابات السوق وتكاليف الإنتاج تدفع بعض المنتجين إلى اختصار هذه المراحل. وفي حديثه عن ملكية الحكاية، شدّد على مسؤولية الفنان والمؤسسات الإعلامية والثقافية تجاه المجتمع، مستحضراً توجيهات حاكم الشارقة للمبدعين بأن يكونوا أمناء على الجمهور الذي يستقبل أعمالهم في البيوت والمسارح. ورأى أن هيمنة الاعتبارات التجارية والسعي إلى الانتشار، إلى جانب غياب الاستراتيجيات التي تضبط ما يُقدَّم للجمهور، تشكّل تحدياً أساسياً أمام العمل الإبداعي. وأشاد في هذا السياق بالتجربة الإعلامية للشارقة وقنواتها، داعياً إلى الاقتداء بها.